فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقد أكد على ذلك سمو ولي العهد وعدد من المسؤولين في مناسبات مختلفة، وهذا المعنى قد أكد عليه النظام الأساسي للحكم في المملكة في عدد من مواده؛ ففي المادة الأولى: {المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم} وفي المادة السادسة: {يبايع المواطنون الملك على كتاب الله وسنة رسوله وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره} ، وفي المادة السابعة: {يُستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله وسنة رسوله .. وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة} ، وفي المادة الخامسة والخمسين: {يقوم الملك بسياسة الأمة سياسة شرعية طبقًا لأحكام الإسلام ويشرف على تطبيق الشريعة الإسلامية} ، وولي الأمر يجعل له أعوانًا يعينونه على القيام بهذه المهمة الشريفة من القضاة والولاة ورجال الحسبة وغيرهم ممن لا يستمد سلطته إلا من سلطة ولي الأمر.
ومما سبق نعرف خطأ الكاتب حين قال: {في دولة تأسست على ثنائية الإمام والشيخ أو السلطة والشريعة} ؛ لأن هذه الدولة قامت على وحدة واحدة، وعلى تكامل وتعاضد، لا على منازعة ومواجهة، كما ذكر الكاتب بعد ذلك حين قال: {وأصبحت المواجهة في عقر دارهما} .
ثانيها: مصطلح الفكر الديني. أبدى الكاتب وأعاد في استعمال هذا اللفظ ولم يوضح مقصوده بهذه الكلمة بل يفهم من كلام الكاتب أنه يدخل في ذلك جميع العقائد المنحرفة حيث قال: {خرجت المواقف الإقصائية ضد الفكر الديني باتجاهاته التقليدية والصحوية والجهادية} ، ومنشأ هذا عدم التمييز بين المعاني التي يطلق عليها هذا اللفظ، وذلك أن هذا اللفظ يستعمل عند المتكلمين بمعنيين:
أحدهما: الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، ومثل هذا لا يجوز الاعتراض عليه ولا نقده ولا الضجر والانزعاج منه؛ قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} ، ولقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} .
والمعنى الثاني: الاجتهادات الفقهية التي يمكن أن تكون محلًا للاختلاف، وإن كان هذا الاختلاف لا يسوغ الشقاق، وإنما الواجب في مثل هذا هو الرد إلى النصوص الشرعية كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، وقال: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ؛ وذلك لأن الحق في المسائل الاختلافية ينحصر في أحد الأقوال وما عداه يكون مخالفًا للصواب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد} .
فبين أن المجتهدين يصيبون ويخطئون؛ مما يدل على أن الحق في أحد الأقوال ومن عداه يكون مخطئًا، وقد فصلت في أدلة ذلك في كتابي {القطع والظن} في أكثر من خمسين صفحة، والنصوص الشرعية لا تدل إلا على صواب أحد الأقوال؛ ومن هنا نعلم أن الكاتب - وفقه الله - قد أخطأ حين قال: {ومما يزيد من شدة الخلاف بين كافة الأطراف أن الدين الإسلامي كيان مقدس يحمل في داخله شتى المواقف المحتملة في نظريات الصراع الفكري والسياسي؛ فالمعارضة والموالاة تجدان لهما ما يعزز مواقفهم في الإرث الإسلامي} ؛ فخطأ هذه الطوائف في فهم النصوص لا يصح أن ينسب إلى دين الإسلام.
وهناك مصطلحات عديدة استخدمها الكاتب ورتب عليها تصورات وأحكامًا مع أن استخدامه لها في غير المعهود الشرعي واللغوي والعرفي منها؛ فيصعب عليَّ استيعاب هذه المصطلحات؛ لكثرتها مع أن مقالة الكاتب ليست بذاك الطول. وفي هذا المقام أنبه إلى ثلاث قضايا تطرق إليها الباحث تعتبر قضايا جوهرية ولها آثارها.
(يُتْبَعُ)