فهرس الكتاب

الصفحة 9781 من 28557

ـ [هشيم بن بشير] ــــــــ [28 - Jul-2008, صباحًا 12:12] ـ

الحدث وبناء الوعي

الشيخ يوسف بن محمد الغفيص

الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وبعد:

حينما تكون أمام حدث ما ... قد يبدو معقدًا؛ فليس بالضرورة أنك تواجه أزمة بنفس مقدار الحدث، هذا الإدراك مؤهل من حيث المبدأ لتجاوز الحدث بأقل مقدار ممكن من الخسارة، ورفع مستوى الاستثمار والتصحيح، والخروج بمصالح مناسبة.

قد تكون البدايات لحدث ما تصطدم بهذا المفهوم التأسيسي للتعامل، فحينما تكون البداية أزمة لا تتجه في مسار الخير والفضيلة؛ يتحول الحدث عند كثيرين إلى حركة من الشر والفساد، ويعطي هذا المفهومُ الإذنَ لمحركات الفساد أن تمارس تطوير البداية وتوسيع دائرتها إلى فصول ومراحل الحدث.

هذه الرؤية التي يستعملها كثيرون تفتقد الإدراك لطبيعة السنن والحوادث الكونية التي تجري في هذا العالم بقدر الله ومشيئته، وتفتقد الوعي بقانون الأشياء المركبة المعبِّر عن كون البداية لا تمثل إلا نفسها , وليست حاكمًا على كل تسلسلات ونتائج الحدث.

لما رمى قوم من المنافقين عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بالإفك؛ ظن قوم من المسلمين أن هذا شر محض في مبداه و منتهاه؛ فجاء قوله تعالى: (لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم) ولما هُزم المسلمون في أحد - وهذا شر من حيث هو -لم يمتد ليتحولَ إلى هزيمة في المبادئ والأخلاق؛ بل تحصلّ بفضل الله خيرٌ كثير بعد ذلك , ومن أخص ذلك تثبيت المبادئ في نفوس أهل الإيمان، وبناء الوعي الذاتي في التعامل مع السنن الشرعية و الكونية، ولما حاول بعض المشركين في آخر المعركة تطوير هزيمة المسلمين فصار أبو سفيان - وكان وقتها مشركًا زعيم قريش - يعلو صوته: (لنا العُزّى ولا عُزّى لكم) كان من جوابات المسلمين بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام: (الله مولانا ولا مولى لكم) "أخرجه البخاري وغيره". إن شكلًا واحدًا من الهزيمة لا تعني شمولية الهزيمة، وأهلُ الإسلام يُقدّر تجازهم لهزيمة الوعي، فإن من أوثق الوعيِ الوعيُ بما هو من أصل العبودية (الله مولانا ولا مولى لكم) إن هذا الحرف النبوي بناء للنفوس المؤمنة، وحديث عن انتصار المبادئ والأخلاق، وقدسية الرسالة والعمل.

وهنا من المهم أن نفقه مفهوم النصر، والعاقبة التي وُعدت به هذه الأمة فهي بإذن الله منصورة مرحومة، والعاقبة لها في الدنيا والآخرة.

من هذا المفهوم في تصور الحدث - ولا سيما إذا كان شموليًا يقدم كحركة من الصراعات أو المطالبات و التحولات في مسارات مختلفة، ويتجاوز دائرة المثال والخصوصية - يجب أن ندرك أن الأحداث تُعدّ مرحلة خصبة لبناء الوعي والتصحيح.

إن المصالح الخيرية التي تتكون من حدث ما ليس فاضل البداية؛ بعضُها محضُ فضل إلهي يتجرد عن السببية الآدمية؛ ولهذا جاء قوله: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) .

والبعض الآخر فضل من الله يجازي به العباد , أي: أنه مرتبط بالسببية والعمل الآدمي. ومن هنا يُقَدّر أن ندرك في التعامل مع الأحداث التي تعرض للأمة أيًا كان مسارها أننا أمام تكليف شرعيٍّ بتطويق حركة الفساد والشر التي قد تتمثل واضحة في مرحلة ما من تسلسلات الحدث , وفي الغالب تكون في مرحلة البداية.

إن ثمّت مقاصد شرعية لا تتحقق في نفوس المؤمنين إلا في دائرة من الصراع، وحركة من المتقابلات؛ وهنا يتكون التوازن الذي هو مقصود الشريعة في ثبات المبادئ، وصدق التعامل، وترسيم العدل، وتجاوز سلطة الذات، وفرضيتها المثالية.

من هذا المعنى يُفْتَرض أن يكون لدينا سعة في التفكير والإدراك, وأن نتجاوز عقلية البُعد الواحد في التعامل مع الأحداث.

إن الأزمة تتطور يوم نفترض أن الأزمة ضرورةً تصنع أزمة في نفس المسار، وهنا فإن توليد الأزمات في الأحداث الشمولية يقع كثيرًا نتيجةً لهذا الافتراض والتسليم بهذا القانون.

إن هذا القانون ليس عادلًا , وهو تعبير عن هزيمة الوعي في الأزمات والأحداث، ومن المهم أن ندرك أنه ليس يصنع شيئًا لصالحنا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت