فهرس الكتاب

الصفحة 22161 من 28557

زَوَالُ الْغَمَامَةِ عَمَّا اسْتُشْكِلَ فِيْ عَامِ الْرَّمَادَةِ

ـ [ابن جريج] ــــــــ [24 - Dec-2009, صباحًا 01:06] ـ

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

إخواني الكرام:

لقد حمي وطيس شبهة، واشتد أوار نارها، لتتخذ سبيلا لهدم الملة وتعطيل الشرائع، واستباحة المحرمات، وإقرار المنكرات، وإخماد سيف الحدود والتعزيرات؛ هذه الشبهة مفادها:

[أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقم الحد على من سرق عام الرمادة [1] ( http://majles.alukah.net/#_ftn1) ].

إن المسلم ليأسف أشد الأسف عندما يرى بعض الإسلاميين قد تعلقوا بهذه الشبهة التي كان أول من أثارها وأعلى منارها وشيد أركانها المستشرقون وأفراخهم من العلمانيين والمناوئين للشريعة الإسلامية حسدًا من عند أنفسهم، وطعنًا في شريعة الله تعالى، فرد عليهم حماة الإسلام وكُماته، وألقموهم أحجارًا في أفواههم ولا غرو أن يصدر هذه من المعادين للشريعة، لكن الشيء الذي يتعجب له المرء حقًا هو انجرار بعض الإسلاميين وراء هذه الشبهة المتهافتة فإلى أي طريق يسير هؤلاء؟ وهل هذا إلا تقرير خطير يكشف عن نوايا غير صادقة؟ وما المصلحة من ترويج مثل هذه الشبه بين عامة المسلمين؟

إنني على يقين تام بأن شيطان المصلحة عند هؤلاء يجعلهم يرددون وبكل جرأة ما المانع من الأخذ بهذا المبدأ إذا كان يوافق المصلحة الموهومة؟ حتى وصل الحال بالبعض إلى أن يرددوا قولة ذاك اليهودي الخبيث ميكافيلي:"الغاية تبرر الوسيلة"فقد أصبحت هذه القالة الشيطانية واقعًا ملموسًا، وإن لم تصرح بها الألسنة وتهتف لها الحناجر؛ ذلكم أن الشيطان استدرج هذه القلوب شيئًا فشيئًا حتى هان عليها كل شيء، فلم تعد تعظم حرمات الله، وتقف عند حدوده، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.

نعود إلى هذه الشبهة فنقول:

أولًا: سبحانك هذا بهتان عظيم!

كيف يروق لمؤمن عرف قدر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي اعز الله به الإسلام والمسلمين أن يتهمه بهذه التهمة الظالمة الجائرة التي تطعن في عدالته ودينه؟!! وكيف يظن بإمام العدل الذي فرق الله به بين الحق والباطل انه عطل حدود الله؟!

إن مثل هذه الترهات لا يمكن أن يتفوه بها إلا رافضي حاقد أو علماني مرتد، فهنيئًا لهؤلاء جميعًا فقد وجدوا من أهل الإسلام من يعينهم على باطلهم، ألا بئست هذه العقول التي لم تذق طعم الإيمان ولم تعرف قدر الصحب الكرام رضي الله عنهم.

ثانيًا: إقامة الحدود منوط بثبوت شروطها وانتفاء موانعها.

يقال لهؤلاء المفتونين: لقد شرع الله الحدود زواجر وجوابر، وحد لها حدودًا، ووضع لها قيودًا، يثبت الحكم بثبوتها، وينتفي بانتفائها، وإذا فقد شرط من شروطها، أو وجد مانع من موانعها لم تنفذ، وكان عدم نفوذها هو عين ما أمر به الشارع الحكيم.

فحد السرقة مثلًا لا يقام على السارق إلا إذا استوفى جميع شروطه، ومن شروطه أن يكون خفية، وفي حرز مثله، وألا تلحقه شبهة، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ومن الشبهات التي تدرأ الحد حلول قحط وجدب في البلاد والعباد، يوصل الجميع إلى حد الاضطرار الملجئ كما كان الحال في عام الرمادة، فإن عمر رضي الله عنه ما أقام الحد على من سرق لوجود شبهة تدرأ الحد وهي المجاعة والقحط، وما كان للفاروق أن يؤخر إقامة الحد لو كانت السرقة في ظروف عادية لا يشكوا الناس فيها الفاقة والجوع، وما فعله عمر رضي الله عنه من عدم إقامة الحد على من سرق في ذلك العام هو عين ما أمر الله به، فمن الخطأ الفاضح أن نقول: إن عمر رضي الله عنه عطل الحدود أو لم يطبق الشريعة إلى غير ذلك من الشبهات التي يرددها المستشرقون وأفراخهم، وإنما فعل عمر في هذه الحادثة عين الشرع وطبق فيها حكم الله.

ثم إننا في زمان عظمت فيه البطون، ومالت فيه الكروش، وانتفخت فيه الأوداج والوجوه، من آثار النعمة والغنى، وما الفقر إلا حالة استثنائية، فما الداعي إذًا لإثارة مثل هذه الشبهات؟

نعم لو أثارها الجوعى في الصومال والبنغال ودول جنوب أفريقيا لاستسيغ الأمر، ولكن الطامة العظمى أن تثار في دول الخليج وبلاد الحجاز والشام ومصر والمغرب العربي، فقد أنعم الله على هذه البلدان بخيرات كثيرة، ونعم وفيرة، وموارد طبيعية كفيلة بأن تُقَوِّم أمة وليس دولة فحسب.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت