فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [عبدالله الشهري] ــــــــ [21 - Dec-2008, مساء 01:34] ـ
مساحة الحرية في العقل المسلم المعاصر
التاريخ: 18 - 12 - 1429 هـ
الموضوع: قضية للنقاش
عبد العزيز كحيل
الحرية هي تلك القيمة الإنسانية العليا التي تعني أن للإنسان قدرة على الاختيار في مجال الأفكار والأفعال مقرونة بتحمل مسؤولية ذلك الاختيار في الدنيا والآخرة، وقد ضمن القرآن الكريم حرية العقيدة"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنّا أعتدنا للكافرين نارًا ..."و قد أصل بهذا لما هو أقل خطورة من الاعتقاد الديني كحرية الفكر والتعبير والإبداع.
ولا يكون الإنسان إنسانًا ولا صاحب دين إلا بالحرية، لذلك تناولها الفلاسفة والمفكرون بالبحث قديما وحديثا وتغنى بها الشعراء وضحّى من أجلها الأحرار، لكن المتفحص لأدبيات المسلمين عامة وكثير من الحركات الإسلامية في العصر الحديث خاصة يكاد يصدم بمقاربتهم للحرية التي تتراوح بين اللامبالاة والنظرة الانتقائية والإتهام، ذلك أنهم لم يتناولوها كقيمة إنسانية وشرعية كبرى وإنما كمعنى وافد مع الغزو الفكري يبطن مواجهة الدين وتفكيك عراه ... هكذا جهلوا حقيقة الحرية فعادوها، وهذا من الغرائب: أن يعادي قوم قيمة هم أفقد الناس لها وأشدهم حاجة إليها، وموقفنا هذا ليس حكمًا قيميًّا مجردا بل هو خلاصة دراسة علمية واقعية تبين المساحة التي تحظى بها الحرية في العقل المسلم المعاصر، ويبدو ذلك جليًا على عدة مستويات:
1_ على المستوى العلمي: من المتفق عليه بين علماء الأصول والمقاصد أن الأصل في الأشياء والأفعال الحل والإباحة وذلك بناء على آيات وأحاديث تفوق العد كقول الله تعالى"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا"-"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثن وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"-"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا"
ومع ذلك فإننا نجد أكثر علماء العصر يقدمون الضوابط على الحوافز ويبالغون في الأخذ بالأحوط من الأقوال ويعملون قاعدة سد الذرائع بمبالغة واضحة انتصارًا للنصوص على حساب الأشخاص، كل هذا خوفًا من الحرية التي تجلب في نظرهم أنواعًا من السوء والفساد، ومن أوضح الأمثلة على هذا المسلك قضية المرأة، فقد شددوا من الضوابط التي تحكم تحركها ونشاطها إلى درجة أدت إلى إلغاء دورها الاجتماعي وأدائها الحضاري من الناحية النظرية على الأقل.
كما أن مسألة المصلحة مثال واضح آخر، فرغم الجمود الذي مر به الفقه الإسلامي عدة قرون بسبب النصوصية المجحفة والذي تصدى له علماء كبار ومدارس تجديدية نشطة بإحياء الأصول المهملة كالمصالح المرسلة إلا أن طبقة كبيرة من الفقهاء تتوجس من المصلحة وتحيطها بألف سياج وتضع لها من الضوابط ما يكاد يلغي اعتبارها في الواقع، والأخذ بالمصلحة معناه الاعتماد على الحرية والانطلاق معها في تيسير حياة الناس بدرء ما يضرهم وجلب ما ينفعهم خاصة في منطقة العفو المعروفة في التشريع الإسلامي من غير أن يعني ذلك بالضرورة مصادمة النصوص الشرعية أو مجاراة الأهواء ... ففي مجال الاجتهاد نرى أن الحرية متهمة بالتصريح حينًا وبالممارسة في أكثر الأحيان رغم حاجة الفقه الإسلامي المعاصر الماسة إلى تحفيز الذهن ليتجرأ على البحث والنظر لإمداد واقع المسلمين بالحلول الشرعية الأصيلة باعتماد القياس والاستصلاح إلى حد كبير أي إلى إشاعة الحرية في المجال العلمي الاجتهادي المتشبع بالإطار الفلسفي الصلب الذي تمثله أصول الفقه مع تطعيمه بالمرونة المناسبة لتشعب الحياة وتعقيدها ... وهذه الحرية المنشودة أمر آخر غير ما يتذرع به بعض"الحداثيين"الذين يتلاعبون بأحكام الدين باسم اجتهاد لا يملكون أدواته ولا يؤمنون بخلفيته الفكرية (الوحي) وإنما يريدون به تطويع الإسلام للنظريات الغريبة.
(يُتْبَعُ)