فهرس الكتاب

الصفحة 26992 من 28557

ـ [الأثري الفراتي] ــــــــ [27 - Sep-2010, صباحًا 02:32] ـ

السلام عليكم

يُكثر المتصوفة من النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المواضع التي امتدح فيها التصوف،،، وعند إمعان النظر في تلك النقول وجدتُ أن الأمر على ضربين: أحدهما: أن تلك النقول مبتورة مما يوهم أن شيخ الإسلام رحمه الله يُثني على التصوف فعند وصل السابق باللاحق ينتفي ما أُوهم عنه رحمه الله، والثاني: أن ذلك الثناء من شيخ الإسلام رحمه الله إنما كان لبعض زهّاد المتصوفة الأوّلين ممن سلك سبيل السلف، وليس ذلك ثناء منه على التصوف كمنهج أو طريق،،، وسؤالي:

هل ماوصلتُ إليه من تحرير لموقف شيخ الإسلام من المتصوفة صواب أم لا؟

فإن كانت الإجابة بلا،،، فما هو الموقف الصحيح لشيخ الإسلام من التصوف والمتصوفة؟

وبارك الله فيكم ووفقكم لكل خير شيخنا

الجواب:

ماوصل إليه السائل هو عين موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من التصوف، وهو وجه الجمع بين أقواله المختلفة فهو أحيانًا يثني على بعض رموزه المشهورين، وأحيانًا يحمل حملة عنيفة على رموز آخرين، كما أنه أحيانًا يقول أقوالًا شبيهة بأقوالهم، وأحيانًا يهاجم التصوف بشكل عام، والذي يدقق في كلامه كله، وينظر نظرة إنصاف وتأمل في مناسبة عباراته وسياقها وسباقها يجد أن موقفه واضح وجلي، وهو موقف العالم المحقق والباحث المدقق، المنصف المتوسط غير الغالي ولا الجافي، فالتصوف ليس كله شرًا كما أنه ليس كله خيرا، وإنما فيه من هذا وهذا، ذلك لأننا بحثنا عن جذور التصوف وأصوله ومصادره نجد أنه اختلط فيها ماهو من مبادئ الإسلام وأصوله، كالزهد في الدنيا وعدم الاغترار بزخارفها وزينتها، وأنها كسراب يوشك أن يزول، وكالاهتمام بتربية النفس وتخليصها من نقائصها وعيوبها، وتحليتها بحلية الإيمان، وصبغها بصبغة الكمالات والفضائل، فهذه المبادئ هي جزء من توجيهات الإسلام ومقاصده العليا.

ولكن المشكلة في التصوف أنه لم يكتف في التوجيهات الإسلامية في الأمور السابقة، بل أضاف إليها آراء وفدت إلى المسلمين من ثقافات الأمم الأخرى كاليونان والهنود والفرس والنصارى واليهود نتيجة الفتوحات الإسلامية الواسعة، فالأمم الكثيرة التي فتح المسلمون بلادها ودخلت في الإسلام كانت تحمل ثقافات متنوعة كثيره فيها ماله أصل من هدي الأنبياء ومنها ماهو محرف من وضع البشر، ومنها ماهو في أصله من المفكرين والفلاسفة الذين لم يدينوا بدين سماوي أو دانوا بأديان وثنية، فحينما أسلموا حملوا ثقافاتهم السابقة إلى المجتمع الإسلامي، وترجموا كتبهم إلى العربية، فقرأها بعضهم واستحسنوها، وبعضها رأوا فيها ماهو جديد عليهم أو قريب من االإسلام ومنها ما فيه مخالفة، وكلنهم فتنوا به وأعجبوا، فحاولوا التوفيق بينه وبين الإسلام، فخرج نتيجة ذلك كله وأمثاله نظريات المتصوفة وآراءهم فكانت خليطًا من الحق والباطل، والصواب والخطأ، فلما درسها شيخ الإسلام دراسة عميقة منصفة، وفهمها فهما صحيحًا.

ومن المعلوم أن ابن تيمية كان مدركًا لحقائق المذاهب والأديان المختلفة أكثر من أصحابها، بل كان بعضهم يرجع إليه ليفهم حقيقة مذهبه، أقول: فلما تكلم فيها أثنى على مافيها من خير، وذم مافيها من شر، وميز بين رجالاتها، بين من كانت عقيدته إسلامية صحيحة موافقة للكتاب والسنة وبين ماكان في عقيدته خلل أو اضطراب أو آثار وثنية أو إلهية محرفة، كما ميز بين من كان مخلصًا منهم في طلب الوصول إلى الرشاد فاجتهد وأخطأ أو أصاب، وبين من لم يكن مخلصًا، ولم يرفع بالوحي الإلهي رأسًا وإنما كان يذهب مذاهب شتى بحسب مايمليه عليه هواه أو شيطانه، وكذلك ميز شيخ الإسلام بين النقول التي تنقل عن أئمة التصوف بين ماهو ثابت عنهم وبين ماليس بثابت، فقد نقلت أقوال كثيرة وقصص غريبة عن بعضهم، ولكنها في نظر النقاد لم تثبت فطعن بهم بسببها، فلما حقق ابن تيمية أمرها تبين له براءتهم منها، فدافع عنهم ونفاها وأثنى عليهم، وهكذا هو مثال المحقق المنصف المعتدل التي حقق قول الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة 8، وقوله سبحانه ( .. وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى .. )

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت