ـ [محمد العسقلاني] ــــــــ [07 - Aug-2010, مساء 07:28] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ـ [أبو الفداء] ــــــــ [08 - Aug-2010, مساء 09:15] ـ
/// أستبعد أن يشتبه أو يختلط عليك الفرق بين المصطلحين (كاشتباه مصطلح العقيدة ومصطلح المنهج) ، ولا يظهر لي وجه هذا الطرح حقيقة، ومع ذلك سأستعين بالله تعالى وأحرر جوابا، ثم ننظر تعقيبك، وننتظر فوائد الإخوة الأفاضل وفقهم الله. وسأبدأ هذه المرة بالمعنى الاصطلاحي قبل اللغوي لمصلحة التحرير.
/// العقيدة في الاصطلاح هي ذاك العلم الشريف المعني بدراسة أركان الإيمان (إجمالا وتفصيلا) والتوحيد وأصوله ونواقضه وتنقية معتقد المسلمين من شوائب وبدع وانحرافات الفرق الضالة، ولذا فكل مسألة من مسائل هذا العلم يصطلح عليها بأنها من مسائل العقيدة أو الاعتقاد. أما الفكر فمصطلح حادث يراد به بعض الآراء التنظيرية والتآليف الحرة في بعض القضايا الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية وغيرها، التي يشتغل بها بعض الناس ممن يسمون بالمفكرين. ومنهم من يتناول تلك القضايا و"يفكر"في العلاقة بينها وبين"الدين"، ثم يسمي آراءه (بالفكر الإسلامي) . وقليل من هؤلاء (المفكرين) من تكون له دراسة علمية مؤصلة في شيء من فنون العلم الدنيوي التي يروم التنظير تحتها، فضلا عن أن يكون له حظ من طلب العلم الشرعي يجيز له النظر والتأصيل في دين الله جل وعلا.
/// أما على المعنى اللغوي، فلا شك في أن كل إنسان - في أي اختصاص علمي كان، شرعي أو دنيوي - يفكر ويعمل فكره، فهو بهذا المعنى: مفكر! فعالم العقيدة مفكر، إذ يعمل فكره في كيفية تحرير وتحقيق مسائل العقيدة بما يوافق الدليل، وفي كيفية دفع الشبهات عنها وكل رديء من الفلسفة والتأويل، ولذا فله اشتغال ولابد بعلوم الكلام والفلسفة وله نظر كذلك فيما ينتجه (المفكرون) من أهل النحل والطوائف المخالفة. والفقيه مفكر، إذ يفكر ويعمل عقله في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وفي القياس والتقريب بين الأشباه والنظائر، وعالم اللغة مفكر والمحدث مفكر وكل عالم في فن من فنون الشرع مفكر إذ العقل أداة الفهم والتحصيل، الذي هو طريق العالم المحقق إلى التفريع والتأصيل.
/// لهذا كره بعض أهل التحقيق من العلماء استعمال هذا الاصطلاح - وأنا أوافقهم في هذا - في وصف أهل العلم الشرعي والمشتغلين به، إذ يساويهم بالمتسربلين بهذا المصطلح من الجهال الذين تقدم وصفهم في جزئية آنفة، الذين يفسدون علوم الدين والدنيا جميعا تحت دثار (الفكر الإسلامي) وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا! ومن وجه آخر فإنه لا يصح - في عرف العلماء من مختلف فنون العلم - أن يجعل التفكير المجرد = اختصاصا في ذاته!! بمعنى أن يقال إن فلانا تخصصه أن يفكر!! فإن كل إنسان عاقل مفكر ولابد، وإنما العبرة في أهليته للتفكير فيما اشتغل به من القضايا أيا كانت.
/// مادة الفكر (بمعنى النظريات والآراء) تعرض على الكتاب والسنة، وعلى قواعد وأصول فنون العلم التي تتعلق بها، فإن كانت حقا قبلناه وإن كانت باطلا رددناه .. ومن المنسوبين إلى الفكر الإسلامي من كانت لهم أياد بيضاء في كثير من المجالات العلمية لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر.
/// العقيدة (بمعنى الحقيقة التي يعقد عليها الإنسان قلبه) يدور الحكم عليها بين الحق والباطل. إما أن يكون ما يعتقده الإنسان حقا موافقا للواقع بالدليل، وإما أن يكون خلاف ذلك. وأما الفكر (الذي هو بمعنى إعمال آلة العقل في النظر) فمداره الأحكام الخمسة التكليفية، فقد يكون واجبا أو مستحبا أو مباحا أو مكروها أو محرما، بحسب ما تعمل فيه تلك الأداة. فإعمال أداة العقل لفهم خطاب رب العالمين واجب وفرض عين على كل عاقل، وهو مناط تكليفه بالأساس، وهو يستلزم تحصيل حد أدنى من العلم الشرعي، هو العلم الواجب على أعيان المسلمين، وما لا يسع المسلم جهله. والتعلم تحصيل وفهم، والفهم إعمال للعقل، فمن هذا الوجه هو واجب على الأعيان. ومنه ما يكون واجبا على الكفاية كما يتطلبه التوسع في دقائق العلوم وأغوارها، ومنه ما يكون مستحبا كعبادة التفكر في خلق الله تعالى، ومنه ما يكون مباحا كالتفكر في قضاء حوائج الدنيا (ويدخل فيه إعمال العقل في سائر العلوم الدنيوية المباحة) ومنه
(يُتْبَعُ)