ـ [ابو معاذ الاثرى] ــــــــ [12 - May-2010, صباحًا 02:24] ـ
فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقىكتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتزكية النفس من أخطر الأمراض القلبية والشهوات الإبليسية الشيطانية التي تمثل عائقًا من أكبر العوائق أمام إصلاح الفرد والمجتمع والطائفة والأمة؛ فالنظر إلى النفس بعين الكمال يُعمي القلب عن رؤية عيوبها وأمراضها التي يجب معالجتها، وهو منبع الكبر والعجب والحسد؛ لأن الناظر إلى نفسه بعين الكمال يشعر أنه يستحق مِن الناس مِن تقديرهم وتعظيمهم وثنائهم أكثر مما أخذه، فيترتب على ذلك احتقارهم وازدراؤهم؛ لكونهم لم يُعطوه حقه ولم يقدروه حق قدره! وإذا وجدهم يثنون على غيره ضاق بذلك وما استساغه؛ فوقع في تمني زوال النعمة عن أخيه ليتفرد هو -في وهمه وظنه- بالكمال؛ فهي أمراض متلازمة ربما تظهر في جملة واحدة كما ظهرت من إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، ظهرت كل هذه الأمراض في قوله لربه -عز وجل- عن آدم -عليه السلام-: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) (الأعراف:12) .
وظهرت من فرعون في قوله عن موسى -عليه السلام-: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف:52) ""
العمل الإسلامي المعاصر لا يخلو من مرض تزكية النفس على مستوى الأفراد والجماعات وداخل الجماعة الواحدة، وهو مِن أعظم المعوقات التي تواجه الصحوة الإسلامية
وظهرت في قول صاحب الجنتين لصاحبه: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (الكهف:34) .
وظهرت في قول طائفة من الملإ من بني إسرائيل مع نبيهم حين أخبرهم ببعث الله لهم طالوت مَلِكًا: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) (البقرة:247) .
وهذا المرض لا يختص بالأفراد؛ بل هو كذلك يعمُّ الجماعات والطوائف والشعوب والأمم، وهل قامت الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها في سنوات معدودة نحو 60 مليونًا من البشر إلا بسبب الفكرة المجنونة بسيادة الجنس الآري التي حقيقتها تزكية النفس، ولكن لشعب أو أمة؟!
وهل قامت إسرائيل إلا من أجل تحقيق هذه الفكرة المستقرة في حس اليهود أنهم -دون غيرهم- الشعب المختار، مهما خالفت أعمالهم وصفاتهم، وأن باقي الشعوب هم عبيد العبيد لهم، وأنهم لا يصلح لهم إلا أن يكونوا كلابًا لهم، وليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويرمى للكلاب -كما حكاه كُتَّاب الأناجيل عن المسيح-، إلا من رضي بأن يكون كلبًا لديهم واعترف بذلك وقَبِل بما يرميه السادة له كما يرمي السادة للكلاب؛ فهذا الذي يُقبَل في الملكوت، وحاشى لله أن يكون المسيح -عليه السلام- قد قال ذلك كما يفترون عليه؟!
وهل كانت جيوش احتلال الأوربيين التي غزت شعوب الأرض وأذلتها واستعبدتها إلا لسيطرة الجنس الأبيض وعلوه، حتى صاروا إذا تكلموا عن حقوق الإنسان فهو"الأوروبي"و"الأمريكي"دون غيره، كما أن آلام الأسرى عند اليهود محصورة في"شاليط"المُنَعَّم دون مئات ألوف المعذبين في المشارق والمغارب؟!
وهذا المرض العضال لا يختص بأهل الدنيا؛ بل يقع فيه -أيضًا- من ينتسبون للدين، وإن كان أهل الدنيا يزكون أنفسهم بكثرة المال، أو الملك والجاه، أو كثرة الأولاد والأتباع، أو المسكن الفاره، أو المركب والشارة، أو الثياب والقطيفة والخميصة؛ فإن أهل الانتساب إلى الدين يزكون أنفسهم: بالعلم، والزهد، والدعوة، وقراءة القرآن، والجهاد، والنفقة في سبيل الله، وكثرة التلامذة والمريدين والأتباع.
والعمل الإسلامي المعاصر لا يخلو من هذا المرض؛ مرض تزكية النفس على مستوى الأفراد والجماعات وداخل الجماعة الواحدة، وهو مِن أعظم المعوقات التي تواجه الصحوة الإسلامية وتجعل من استمرار مرحلة"الإحراق"أفضل لها بكثير من مرحلة"الإشراق"، أعني أن استمرار مرحلة الاستضعاف والاضطهاد الذي تعاني منه خير لها من مرحلة التمكين الذي ربما أدى إلى الهلاك الذي خافه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه الذين رباهم بنفسه حين قال: (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ؛ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا
(يُتْبَعُ)