فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [عدنان البخاري] ــــــــ [29 - Jan-2009, مساء 07:20] ـ
(( وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل وإمامًا، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها؛ فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ):
/// قال شيخ الإسلام العلاَّمة الإمام أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية رحمه الله في المنهاج (5/ 110 - 122) في معرض ردّه على الجهمية الموجبين لعذاب الله لمن لم يذنب والأشاعرة غيرهم= قال رحمه الله: (( وأيضًا فالنُّصوص قد أخبرت بالميزان بالقسط، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تلك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا.
فدل هذا على أن مثقال ذرة إذا زيد في السيئات أو نقص من الحسنات كان ظلمًا ينزه الله عنه. ودل على أنه يزن الأعمال بالقسط؛ الذي هو العدل.
فدل على أن خلاف ذلك ليس قسطًا؛ بل ظلم تنزه الله عنه، ولو لم يكن هنا عدل لم يحتج إلى الموازنة؛ فإنه إذا كان التعذيب والتنعيم بلا قانون عدلي بل بمحض المشيئة لم يحتج إلى الموازنة.
وقال تعالى: (( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ) ) [آل عمران: 108] .
قال الزجاج وغيره: قد أعلمنا أنه يعذب من عذبه لاستحقاقه. وقال آخر: معناه أنه لا يعاقبهم بلا جرم، فسمَّى هذا ظلمًا.
وأيضًا .. فإن الله تعالى قد أخبر في غير موضع: أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها؛ كقوله تعالى: (( والذين أمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ) ) [الأعراف: 42] . وقوله: (( لا تكلف نفس إلا وسعها ) ) [البقرة: 233] . وقوله: (( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) )" [الطلاق: 7] ."
وأمر بتقواه بقدر الإستطاعة؛ فقال: (( فاتقوا الله ما استطعتم ) ) [التغابن: 16] .
وقد دعاه المؤمنون بقولهم: (( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) ) [البقرة: 286] . فقال: قد فعلت.
/// فدلَّت هذه النصوص على أنه لا يكلِّف نفسًا ما تعجز عنه خلافًا للجهمية المجبرة. ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطىء، والناسي؛ خلافا للقدرية والمعتزلة وهذا فصل الخطاب في هذا الباب.
فالمجتهد المستدلُّ؛ من إمام، وحاكم، وعالم، وناظر، ومناظر، ومفت، وغير ذلك= إذا اجتهد، واستدلَّ؛ فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلَّفه الله إياه.
وهو مطيعٌ لله، مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله ألبتة، خلافًا للجهمية المجبرة.
وهو مصيبٌ؛ بمعنى أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه؛ خلافًا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق؛ فإنَّ هذا باطل كما تقدَّم بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب.
وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله؛ فآمن به، وآمن بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع -كما فعل النجاشي وغيره- ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام؛ لكونه ممنوعًا من الهجرة، وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام= فهذا مؤمن من أهل الجنة.
كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت إمرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر. فإنهم كانوا كفارا ولم يكن يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام؛ فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه. قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: (( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولًا ) ) [غافر: 34] .
وكذلك النجاشي .. هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام؛ بل إنما دخل معه نفر منهم. ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه؛ فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة؛ خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفا، وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: (إن أخا لكم صالحا من أهل الحبشة مات) .
(يُتْبَعُ)