ـ [سليمان الخراشي] ــــــــ [22 - Jul-2007, مساء 05:45] ـ
المشروع التغريبي إذ يحمله بعض الطيبين
في القرآن الكريم تتكرر الأحداث، بل والألفاظ، حتى أن القرآن الكريم يحكي عن المفسدين في كل العصور ذات الكلمات بنصها، ثم يتساءل متعجبا (أتواصوا به) ويجيب مقررا (بل هم قوم طاغون) ، فالاشتراك في المفاهيم والتصورات ــ وهي هنا الظلم والطغيان ــ أدى إلى تطابق الخارج من الجوارح.
نعم تتشابه القلوب فتتكرر الكلمات والأفعال والمواقف، في الخير والشر، وفي ثنايا السيرة شواهد عديدة؛ يُشبَّه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بمؤمن آل فرعون، وعُروة بن مسعود الثقفي بالرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وأبو جهل بفرعون، وأمية بن أبي الصلت بالذي آته الله آياته فانسلخ منها ... وقريب من هذا"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ"و"لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. وغير هذا كثير."
وفي الواقع المعاصر عجيبة لم أراها في التاريخ كله، وهي أن الأحداث ... المشاريع ... تتكرر على مسافات قريبة جدا بذات الآليات. ولا يستطيع أحد أن يوقفها، مع أن الأحداث تُنقل بالصوت والصورة من كل مكان في كل مكان. وهذا الأمر كثير جدا، وبيِّن جدا في رحيل الاستعمار وتولي القوميون. . . العلمانيون، تم الأمر بذات الطريقة تقريبا في كل الدول، وذات الشيء يحدث في ما يعرف بتغريب المجتمعات الإسلامية،وهو ما أردت الحديث عنه في هذا المقال.
أقول: بعد فشل المشروع التغريبي في مصر، وقيام الصحوة الإسلامية على أنقاده، بعد إفلاسه وانقلاب بعض كوادره وجمهوره عليه، بدأ يظهر في أماكن أخرى من العالم الإسلامي المحافظ الذي تربى على التوحيد ودعا إليه في جميع أنحاء المعمورة، وبذات الآليات، وعلى ذات المحاور، وبذات الأفكار التي كانت.!!
ولا يستخفنك العجب وتمهل.
سأعرض عليك الخطوط الرئيسية للمشروع التغريبي في مصر لتعلم كيف أنها اليوم تتكرر.
ــ بدأ المشروع التغريبي في مصر على عدة محاور ــ وكل محور كان يتطور في نفسه ويتعاون مع غيره ــ؛ كان من أهمها حسب الترتيب الزمني:
ـــ البعثات العلمية، التي أخرجت للمجتمع المصري فئة من (المثقفين) تشبعوا بحبِّ الغرب، وراحوا يكتبون عنه بما يُحسِّن أحواله، ويطالبون من طرف خفي أولا ثم على الملأ بعد ذلك أن يتخلى المجتمع المصري عن توجهه (المحافظ) وينفتح على العالم؛كي يتقدم ويرتقي كما تقدم القوم وارتقوا.
ـ المدارس الخاصة، ذات الخلفيات الدينية العلمانية في مناهجها أو مدرسيها ومدرائها، وهذه كانت إحدى المصائب الكبرى التي رُميت بها الأمة في مصر وتركيا وغيرهما، وكان لها أثرا كبيرا في المجتمع بعد ذلك، والكلام فيها يطول. وهو مبثوث منشور في أماكن عدة ومن شاء أن يطلع فليفتش.
ويلاحظ أن أصحاب البعثات وخريجي المدارس الخاصة، كان لهم وضع خاص في الهيكل التوظيفي في الدولة يومها، ومازال الحال كما هو إلى اليوم.
ــ المجلات والصحف، كانت إحدى المحاور الرئيسية أيضا، فبعضها كان ثقافي تنظيري يتحدث عن القضايا الجديدة وينظر لها، وبعضها كان يرتدي ثوب (الأدب) ، يجدد في الأدب، وتجديده كان معولا في جدار الشريعة، ولك أن تراجع ما كتبت يدُ إيليا أبو ماضي، وجبران خليل جبران. وغيرهما ممن تطاول على عقيدة القضاء والقدر، وبعض المجلات عملت على ترويض أصحاب الهمم الدنيئة من الذين في قلوبهم مرض بإظهار الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وبث أخبار الفن والفنانين، وتلميعهم في أعين الناس ليكونوا (أبطالا) يحتذي بهم.
ــ الوطنية وهي القَدُوم الذي تكفل بقطع أواصل الولاء ودق وتَد البراء، فخرجت الحركات الوطنية التي عقدت الولاء على الوطن بحدوده المصطنعة، ونظرت (للآخر) على أنه محتل ذي أطماع اقتصادية وعنجهية عنصرية، وتعامت عن أنه كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرم ما حرم الله ورسوله ولا يدين دين الحق، وأن المسلمون أمة واحدة .. كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
(يُتْبَعُ)