فهرس الكتاب

الصفحة 18134 من 28557

ـ [أبا إبراهيم عبدالرحمن] ــــــــ [02 - Jun-2009, صباحًا 08:16] ـ

التقريب والولع بالتنقيب!

د. عبدالعزيز العبداللطيف

لجينيات

لا نزاع في تفاقم التحديات والمخاطر التي تجتال هذه الأمة وتعصف بها، وتسعى إلى طمس معالم الإسلام والسنة، والطعن في عقائد أهل السنة وأحكام الشريعة؛ فعداوة الكفار وحربهم الشعواء على أهل الإسلام مكشوفة، ولا يزيدهم تصرُّم الأيام إلا سُعارًا في الكيد والتنكيل بالإسلام وأهله؛ فالقوم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة. وأهل البدع المغلَّظة - كالروافض وأشباههم - يجاهرون بأهوائهم بلا «تقية» ويعلنون شركهم وزندقتهم بكل صَلَف، ويسومون أهل السنة صنوف الأذى والعذاب؛ كما في بلاد الرافدين وإيران ونحوها.

ومع هذا العداء السافر بخيله ورَجْله، ومع هذا المكر الكُبّار الذي هو ملء السمع والبصر؛ إلا أنّ فئامًا من متسننة هذا العصر قد آثروا السلامة والدَّعَة، واختاروا «الإسلام المريح» الذي لا ينغّص على غرب، ولا يكدّر على مبتدع، فصارت اللغة الطافحة في أدبياتٍ ومجلات وقنوات ونحوها لا تعدو الحديث عن استملاح الإنسانية، والهيام بحوار الأديان، والملاينة مع المبتدعة، و «الاصطلام» بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، والولاء الفطري، والتسامح الديني، ونحو ذلك من مشتقات لا تتجاوز دائرة الحبّ والسلام والوئام مع اللئام!

ما أجمل ما حرره مفتي الديار المصرية الأسبق عبد المجيد سليم - رحمه الله - في هذا الشأن؛ قائلًا: «والناس إنما يفقدون الحماسة للحق والحرارة في الدفاع عنه؛ لواحد من أمرين: إما جهل به يصرفهم عنه، فهم لم يذوقوا حلاوته، ولم يباشروا بشاشته؛ فأنَّى لهم أن يَعْبَؤُوا به فضلًا عن أن يغاروا عليه؟

وإما شُغْلٌ بغيره يملأ القلب، ولا يترك مجالًا للنضال عن الحق والكفاح في سبيله. وأولئك هم الذين يعرفون الحق ويشغلهم عنه ما آثروه من أنفسهم ومصالحهم، فهم يتظاهرون بأنّ تَرْكَهم مناصرة الحق إنما هو لتركهم التعصب، وكراهيتهم التزمُّت والتشدد، والله يعلم أن ذلك منهم نكول ونكوص، وإيثار لعاجل الدنيا على آجل الآخرة.

وأشد ما تصاب به الأمة في علمائها وأهل الرأي فيها هو التحايل بالخروج من تبعات الكتمان بالتأويل والتضليل» [1] .

ما أشنع التنصل عن مدافعة هذا الواقع الموجع، والتولي عن ميادين الاحتساب والصدع بالحق ومراغمة الأعداء، وتحقيق البلاغ المبين!

وأشنع من ذلك كله أن لا يُعترف بهذا الخَوَر والجبن، ولا يُشهد بذاك العجز والوهن، بل تجاوزه إلى أن «يكيّف» دين الله وفق معايير الانهزامية والخنوع، و «يخضِّع» هذا الإسلام لأجل أن يكون موائمًا لتلك المهانة الجاثمة على فئام من متسننة هذا العصر!

والنكوص على الأعقاب، والهروب من تبعات الدعوة والإصلاح والتغيير؛ لا ينفك عن الأنفس المستكينة التي تُؤْثِر الراحة والتشهِّي، وتتفلت من قيود الصراع. قال أبو الوفاء ابن عقيل: «لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عَدَلُوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم» [2] .

والتقريب بين المذاهب الإسلامية - أو بالأحرى التقريب بين أهل السنة والرافضة - هو أنموذج صارخ للغيبوبة عن تشخيص الواقع ومعالجته، والانهماك في حديث معسول، وكلام مستهلك مكرور، لا ينصر دينًا، ولا يُصلِح دنيا.

لقد ارتفعت لافتات التسامح المذهبي، ومحاربة الطائفية والمذهبية، والهَرَع لعقد المؤتمرات والندوات في سبيل تقريب موهوم، يحاكي منتظَر الرافضة وغوث الصوفية! وصرّح بعضهم بأنه: «سُنِّيٌّ في التزامه، شيعي في حبّه، صوفي في روحه ونقائه» !

ودعوة التقريب من مخلَّفات العقود السابقة، ومن الآثار «المطمورة» في متحف التاريخ المعاصر؛ إذ نُقِضت هذه الدعوة شرعًا، وتعثّرت واقعًا وقدرًا، فما ذاك التقريب إلا خداع وتضليل، وسراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. فدار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة - مثلًا - أضحت مقفرة بلاقع - منذ أكثر من ثلاثين سنة - قد سفَّتها الرياح، وسكنتها الأشباح [3] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت