فهرس الكتاب

الصفحة 24024 من 28557

ـ [الاثر] ــــــــ [31 - Mar-2010, صباحًا 09:47] ـ

التمحور: وهو الوقوف على مسألة أو مسألتين، أو التعلق بشيخ أو شيخين، أو الاهتمام بقضية أو قضيتين، يجمع لها الأدلة، مما صح ولم يصح، ثم يتحرك من خلال ذلك، فيضرب أكباد الإبل لها، قاطعًا الفيافي والبلدان، جاعلًا ذلك محوره وَدْيدنه، صباحه ومساءه، دعوته وعلمه، ولاءه وبراءه، يلهج بذلك لسانه، وينقطع عندها علمه، وتتوقف عليها دعوته، فيصرف لها وقته، ويبذل لها جهده، وربما ضيع فيها شبابه، حتى لا يكاد الرجل أو الجماعة يعرف إلا بذلك، فمنهم من جعل محوره التكفير .. ومنهم الجهاد .. ومنهم التبديع .. ومنهم التفسيق والهجر .. ومنهم السياسة والحكام والحكم .. ومنهم الرجال والشيوخ .. فلا هم له إلا الرجال، مدحًا وذمًا، تزكية وطعنًا، ثم ولاءً وبراءً.

وكأن فرج الأمة بهذه المسائل، والنجاة عند الله لا تكون إلا بها، ثم ترى -بعد ذلك- الجدال والخصام، وضياع الأوقات والطاقات.

حضرت مجلسًا كان فيه شاب قد ترك الأهل والأوطان، وقطع الفيافي والبلدان إلى أحد الأئمة الأعلام، وكان محور حديثه، ومبتغى طلبه، تكفير - أو على الأقل تبديع - أحد الدعاة المشهود لهم بالتوحيد والسنة، غير أن لديه بعض أخطاء - وعلى الأكثر- انحرافات في المنهج.

وكان قد أتى الشاب ببعض كلام الداعية، يحاول أن يحكم عليه من خلال فهمه هو لعباراته، أو في أعظم الأحوال، يريد أن يحكم على دين الرجل من خلال لفظة زلت، أو عبارة قاصرة منه صدرت، ولكن الإمام كان فطنًا، فرده خاسرًا.

وكل متمحور حول قضيته، يدعي أنه يأخذ بالإسلام جميعًا، وأنه على الحق أبدًا، وحقيقة الأمر عند هؤلاء - في منهجهم - واحدة، وإنما الاختلاف في نوع المحور، لا في منهج التمحور وأسلوبه، فمنهج الغلو في التكفير، يوازي منهج الغلو في التبديع، ومنهج الغالين في زيد، هو عينه منهج الغالين في عمرو، غير أنه اختلاف في الأسماء، وتنوع في المسائل، وقد تكون المسائل اجتهادية لا قطعية، أو تمثيلية لا تأصيلية، لا تحتاج كل هذا الوقت، و لا صرف ذاك الجهد.

مفاسد التمحور:

وربما يكون المتمحور على حق في هذه المسائل، ولكن الخطأ يكمن في التمحور حولها، والمفسدة بالانشغال بها، عما هو أهم منها من العلم والدعوة، بل عن العبادة والتقوى، حتى لا تكاد تجد على اللسان لله ذكرًا، ولا ترى في الجبهة من أثر سجود تقرحًا، وترى المتمحورَ حفظُه لكتاب الله قليل، ولسنة رسول الله r ضحل، وبضاعتهُ في الفقه مزجاة، وقدرته على تمييز الأمور، وإدراك حقيقتها كاسدة.

وقد قال شيخ الإسلام:(يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين، ويُنشَد:

إن اللبيب إذا بدى من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا )) (1) ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1)

وقال العلامة ابن القيم:

(( .. فحازم الرأي هو الذي اجتمعت له شئون رأيه وعرف منها خير الخيرين وشّر الشّرّين، فأحجم في موضع الإحجام رأيًا وعقلًا، لا جبنًا ولا بخلًا .. ) ) (2) ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn2) .

وتتلخص مفاسد هذه الفتنة في ثلاث:

-إشغالها صاحبها عن تعلم أصوله وتطبيقاته، فهو يظن أو يخيل إليه: أن معرفته هذه المسائل، تغنيه عن العلم، أو تحدث عنده إشباعًا كاذبًا في العلم.

-تقصير صاحبها في العبادات، ونسيانه الدعوة.

-إضاعة الأوقات، وهدر الطاقات في أمور لا تستحق كل هذا، وإشغال المجالس عما هو أهم وأنفع من ذلك.

وسرعان ما يمل المترصدون وإن بقوا فترة يصرخون، وإن غدًا لناظره قريب.

من كتاب من فتن شباب الصحوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت