فهرس الكتاب

الصفحة 20787 من 28557

ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [25 - Oct-2009, مساء 06:32] ـ

د. محمد السعيدي

: كاتب وباحث سعودي

شيء يسير من هذه الضغوط الدولية كفيل بأن يجعلنا نحذر من كل خطوة نحو التغيير ونرفع شعار سد الذرائع حتى نأمن مكر الأعداء. هذا لو لم يكن ثمة شيء سوى تلك الضغوط, فما بالنا ونحن نرى ما هو أسوأ وأنكى على الأمة من تلك التقارير. نرى إعلاما خبيثا موجها نحو بلادنا، لا تخفي التقارير تمويل بعض منه من مصادر سياسية أمريكية أو مصادر وطنية معروفة بتوجهها الأمريكي نحو التغريب .. ألا تسوغ لنا تلك الإرادة الجادة من هذا الإعلام الخبيث أن نظل سائرين على الحذر وعلى خط سد الذرائع؟

مع الفراغ من توحيد أجزاء المملكة العربية السعودية تفرغ علماؤها للنظر إلى المسلمين من حولهم في كليات حياتهم وجزئياتها, وكان المشهد سيئا بقدر ما تحمله الكلمة من معنى فقد نجح الفكر التغريبي في تطبيق مشاريعه الوافدة على كثير من تفاصيل حياة المجتمعات العربية والإسلامية في السياسة والاقتصاد والأخلاق, وكانت المرأة من أشرف ما استطاع ذلك الفكر الوصول إليه وأشده تأثيرا في تغيير باقي مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية, فقد كانت المحرمات القطعية غير مستنكرة في تلك الأوساط، بدءا بالسفور الكامل، وانتهاء بامتهان البغاء وسيلة رسمية للتكسب، مرورا بالرقص والغناء والمخادنة.

هكذا كان المشهد مخيفا في أقرب الدول الإسلامية إلى المملكة في الخمسينات الهجرية والثلاثينات الميلادية, فلم يكن للعلماء إلا أن يرفعوا قاماتهم ليكونوا حصونا لمجتمعهم من أن يصيبه ما أصاب المجتمعات الأخرى.

وكان سياج المشتبهات من المباحات ومسائل الخلاف أول سياج اقتحمه التغريبيون في سبيل الوصول إلى ما وصلوا إليه من تغييرات, فمن أمثلة المباحات تعليم المرأة بالطريقة العصرية، فقد كان أول وسائل إخراجها في تلك البلاد, وأدركت بصيرة علمائنا ذلك، فكانت لهم في تعليم المرأة في السعودية وقفة مشهودة سدوا بها ذرائع الانحدار بالتعليم النسائي إلى ما لا يحمد دنيا وآخرة، لتصل المرأة بالتعليم عندنا إلى ما وصلت إليه من تقدم، دون أن يكون تعليمها قفصا يزج بها من خلاله في مهاوي التغريب والإفساد.

أما مسائل الخلاف، فقد بدأوا منها بكشف وجه المرأة والوطء على البرقع في ميدان التحرير ليصلوا من خلاله إلى كشف ما يقرب من العورة المغلظة دون تغير ولا نكير.

نعم إن المرأة في الحواضر الإسلامية المحيطة بنا كانت تلتزم غطاء الوجه التزاما يشبه ما تتميز به المرأة في بلادنا اليوم، وكان الهجوم عليه بحجة الخلاف فيه يطابق ما نقرأه وما نسمعه هذه الأيام.

قرأ العلماء الواقع من حولهم, ورأوا أن جزءا كبيرا من اللوم يقع على علماء تلك البلدان حيث كان فتح الباب أمام كل المباحات في أصلها دون النظر إلى مآلاتها منفذا لكثير من الشر الذي حاق بالمجتمع, وكان النظر إلى المباح من جهة ما يؤول إليه واجبا في ظل الظروف السياسية والفكرية التي كانت تطغى على معظم عواصم العالم الإسلامي, حيث لم تكن إذ ذاك أفكار تحرير المرأة تطرح ببراءة أو لرغبة حقيقة في تحريرها بل إن طرحها كان استدراجا واضحا للمجتمع لتزول خصوصيته الثقافية سعيا لاندماجه أخلاقيا مع المستعمر, لكن هذه الفكرة لم تكن مفهومة بوضوح فقد تجند طوعا أو غفلة لإخفائها علماء كبار كان لهم الكثير من الفضائل التي تؤهلهم لكي يسلم الناس إليهم قيادة الفكر من أمثال الشيخ محمد عبده الذي كان ردءا لقاسم أمين في كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة.

لم يكن بوسع العلماء أن يرتكبوا الخطأ نفسه فكان أن جعلوا قاعدة سد الذرائع كما يقال في حيز التنفيذ. كان العلماء يتمنون أن يعيشوا واقعا هادئا لا يخشون فيه من المباح ولا يحتاجون فيه لسد الذرائع, لكن و للأسف الواقع لم يكن هادئا, فظلت إرادة تغريب المجتمع ماثلة وتحتاج إلى قوة في مواجهتها, فالفكر التغريبي نزل ساحتنا وكان لأهله حظ من النفوذ في وقت مبكر من نشوء الدولة ومبكر جدا, والدول الغربية التي تستعمر الإخوة الجيران وتساند العدو المحتل تمارس ضغطا لم يكن خافيا على أولئك الرعيل من العلماء, وكان ازدياد الضغط يحتاج إلى مزيد من الممانعة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت