ـ [رجل من المسلمين] ــــــــ [11 - Jan-2009, صباحًا 07:18] ـ
تحدّثَتْ إلى نفسي أن لا أقْرُب هذا الموضوع الذي أنا بصدده، وأن أقنع بما قنعت به كثرة من الدعاة والعاملين في الحقل الإسلاميّ المخلصين لله ورسوله ودينه، بأن أصبغ على النظم العربية اسم الخيانة ووصف العمالة والتبعية والتواطؤ على مصلحة الشعوب، وما إلى ذلك من هذه الأوصاف التي لا تستند إلى كتاب أو سنة ومن ثم لا يتعلق بها عمل شرعيّ. قالت لي نفسي: وما عليك ألا تتبع هؤلاء الدعاة والعاملين في الحقل الإسلامي وكل محب للإسلام منهم في الرضا بهذا القدر، فأنت تعلم أن هذه الأنظمة العربية قد مدّت حدود قبولها للإهانة في الآونة الأخيرة على قدر جرمها وشناعة فعلها، فلن تكون عبرة بين الناس في هذة الأقوال، كما أنه إن خَرَجْتَ على الناس بتوصيف شرعيّ مستند إلى الكتاب والسنة، فهل سيغير هذا من الأمر شيئًا، إلا أن تتعرض وأهلك للرصد ثم الحصد، وأنت تعاني بالفعل من جراء ذلك ما يعلمه الله سبحانه؟ لكن القلب والعقل ردّوا على نفسي مخاوفها وأوهامها، وذكروها بما يتعرض له أبناء غزة الأبطال، وابناء أفغانستان والعراق، ثم عادوا بها إلى ما مرت به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ما تعرض له هو ذاته، بأبي هو وأمي، في سبيل كلمة الحق، ثم قول الله تعالى"لتبيننه للناس ولا تكتمونه"فأبيت إلا أن أشارك بهذا القدر الضئيل من الإيضاح للموقف الحالي التي تمر به أمتنا.
والحق أن هذا الموقف الحاليّ ليس غريبًا أو مفاجئًا بحال من الأحوال، بل هو تداعِ منطقيّ لما حدث ويحدث على أرض العرب والإسلام منذ عقود طويلة، من هجر للشريعة واستبدال الشرع الوضعي الذي هو أدنى بحكم الله سبحانه الذى هو الخير كله، وما زالت أمم من الدعاة تلفت النظر إلى حقيقته الشرعية التي غفلت عنها أمم أخرى من الجماعات الإسلامية الكبرى، وسارت وراء مبررات تبعدها عن خيمة"التكفير"وكأن"الكفر والردة"لا يوجدان على سطح الأرض أو أنهما ليسا حكمين شرعيين من أحكام ديننا الحنيف!
على كل حال، فإن التكييف الشرعيّ لمن يحكم بغير ما أنزل الله تشريعا وتأصيلا، ويقدم حكم البشر على حكم الله راضيا راغبا غير مكره إكراها ملزمًا، ثم يوالي من عادى الله ورسوله ولاء مناصرة ومظاهرة، ويدل على عورات المسلمين ويمنع عنهم العون في حربهم مع عدو الله وعدوهم، كما تفعل رؤوس هذه الأنظمة الحاكمة وأتباعهم ومعاونيهم، فقد خلع الربقة وخرج عن دين الإسلام جملة واستعلن بالردة والكفر.
ذلك أنّ توحيد الله سبحانه يقوم اساسًا على إفراده بالعبادة دون غيره، والعبادة هي الخضوع والتذلل وقبول حكم الله في كل الأمر، لا في بعضه، كما حكى الحق تعالى عن حال المشركين بأنهم"يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض"وقال تعالى في سورة محمد:"إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم"، وقال تعالى"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون". كذلك فإن الولاء لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين هو الركن الثاني في إقامة التوحيد، ثم إقامة النسك والشعائر لله تعالى كالصلاة والزكاة والحج وغيرها من الشعائر التي تندرج تحت عنوان التوحيد.
قال تعالى في سورة الأنعام مقررا مباني توحيد العبادة - الحكم والولاء والنسك:
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا الأنعام 114
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا الأنعام 14
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا الأنعام 164
"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"المائدة 44
"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"المائدة 45
"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"المائدة 47
(يُتْبَعُ)