فهرس الكتاب

الصفحة 14035 من 28557

ـ [العرب] ــــــــ [11 - Jan-2009, مساء 01:08] ـ

الولاء والبراء بين النظرية والتطبيق في نازلة غزة المرابطة -- للشيخ عبدالعزيز الجليل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا - أما بعد:

فالمقصود من عنوان هذه المقالة: التفريق بين من يعلم حقيقة التوحيد، ومقوماته، وأنواعه ونواقضه مجرد علم نظري مع ضعف في تطبيقه والتحرك به، وبين من يجمع مع العلم العمل والتطبيق، وظهور آثار التوحيد في حاله وأعماله ومواقفه.

يبين الإمام ابن القيم - رحمه الله - المعاني عندما تحدث عن التوكل، وحقيقته، والفرق بين مجرد العلم به وبين التحرك به عملًا وحالًا، فيقول:" (فكثير من الناس يعرف التوكُّل وحقيقته وتفاصيله، فيظن أنه متوكل، وليس من أهل التوكل، فحال التوكل: أمر آخر من وراء العلم به، وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها، وحال المحب العاشق وراء ذلك، وكمعرفة علم الخوف، وحال الخائف وراء ذلك، وهو شبيه بمعرفة المريضِ ماهيةَ الصحة وحقيقَتها وحاله بخلافها. فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) "] مدارج السالكين 2/ 125 [.

وحري بهذا الكلام أن تعقد عليه الخناصر، وتعض به النواجذ، وأن يهتم به المربُّون مع أنفسهم ومن تحت أيديهم، فلقد كان من مضى من العلماء الصالحين الربانيين يخافون على أنفسهم من الضعف العملي، أو ضعف الحال مقابل ما عندهم من العلم الكثير، وكانوا لا يركنون إلى شهرتهم العلمية، بل كانوا يكرهون أن يتضخم علمهم ويشتهروا به بين الناس وليس في قلوبهم وأحوالهم ما يكافئ ذلك من الأعمال الصالحة، والأحوال الشريفة، والتي هي مقتضى الفهم والعلم.

ولنا أن نتساءل ونفكر: أيهما أسعد حالًا ومنزلة عند الله - عز وجل - رجل أوتي من العلم ما يتمكن به من حشد النصوص الدالة على فضل قيام الليل والأسباب المعينة على ذلك ثم هو لا يقوم الليل، وآخر لا يعلم من ذلك إلا أن قيام الليل مستحب وأجره عظيم فاجتهد ليله بين يدي ربه - تعالى - ساجدًا وقائمًا، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ فالمرء لا يكون قائمًا الليل بمجرد علمه بفضل ذلك وأحكامه، ولا يكون ورعًا بمجرد علمه بالورع، ولا يكون صابرًا بمجرد علمه بالصبر وتعريفاته وأنواعه، ولا يكون متوكلًا بمجرد علمه بالتوكل وأقسامه.

وبعد هذه المقدمة التوضيحية لمصطلح العلم والحال أدخل في صلب الموضوع الذي بات يؤرق كل مسلم صادق، ويشغل بال كل موحِّد لله - عز وجل -، وذلك في هذه الأيام العصيبة التي نزلت فيها بأمة الإسلام، نازلة عظيمة، وذالك بما يدور الآن من عدوان و محرقة على إخواننا المسلمين في غزة على يد إخوان القردة و الخنازير, وكل ذنبهم أنهم مسلمون رافضون لمؤامرات الذلة والاستسلام التي تعترف لليهود بالاحتلال و تقرهم على مقدسات المسلمين ويعلنون ولاءهم لله - عز وجل - ولدينه وللمسلمين، كما يعلنون براءتهم من الكفر والكافرين.

وإن مما يقض المضاجع ويثير الأشجان أن تغيب كلمة الحق عند كثير من دعاة المسلمين وعلمائهم في هذا الحدث الذي تمتحن فيه العقيدة وبخاصة الأصل الأصيل لكلمة التوحيد ألا وهو"الولاء والبراء، والذي هو واضح في هذا الصراع غاية الوضوح وجلي أشد الجلاء."

وإن المسلم ليحتار ويتساءل: أين ما كنا نتعلمه من ديننا وعقيدتنا من أن كلمة التوحيد إنما تقوم على الولاء والبراء، الولاء لله - عز وجل - وعبادته وحده ومحبة ما يحبه ومن يحبه والبراءة من الشرك وأهله ومن كل ما يبغضه - سبحانه - ومن يبغضه، وإعلان العداوة له وهذه هي وصية الله - تعالى - لهذه الأمة قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت