فهرس الكتاب

الصفحة 11089 من 28557

د. محمد سليم العوا: ضرورات الولاء ومصلحة مسلمي أمريكا

ـ [أبو شعيب] ــــــــ [21 - Sep-2008, مساء 03:23] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم،

أترك التعقيب لكم ..

بعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، نقول:

إن هذا السؤال يعرض قضية شديدة التعقيد وموقفًا بالغ الحساسية يواجهه إخواننا العسكريون المسلمون في الجيش الأمريكي، وفي غيره من الجيوش التي قد يوضعون فيها في ظروف مشابهة.

والواجب على المسلمين كافة أن يكونوا يدًا واحدة ضد الذين يروعون الآمنين، ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي؛ لأن الإسلام حرم الدماء والأموال حرمة قطعية إلى يوم القيامة، قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: 32) فمن خالف النصوص الإسلامية الدالة على ذلك؛ فهو عاصٍ مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما ترتب عليها من فساد أو إفساد.

ويجب على إخواننا العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي أن يجعلوا موقفهم هذا -وأساسه الديني- معروفين لجميع زملائهم ورؤسائهم، وأن يجهروا به، ولا يكتموه؛ لأن في ذلك إبلاغًا لجزء مهم من حقيقة التعاليم الإسلامية، طالما شوَّهت وسائل الإعلام صورته، أو أظهرته على غير حقيقته.

ولو أن هذه الأحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية عوملت بمقتضى نصوص الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة، الوارد في سورة المائدة، في قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الآيتان 33و34) .

ولذلك فإننا نرى ضرورة البحث عن الفاعلين الحقيقيين لهذه الجرائم، والمشاركين فيها بالتحريض والتمويل والمساعدة، وتقديمهم لمحاكمة مُنصفة تُنزل بهم العقاب المناسب الرادع لهم ولأمثالهم من المستهينين بحياة الأبرياء وأموالهم والمروعين لأمنهم.

وهذا كله من واجب المسلمين المشاركة فيه بكل سبيل ممكنة؛ تحقيقًا لقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (سورة المائدة: 2) .

ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين الآخرين مصدره أن القتال يصعب -أو يستحيل- التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، والأبرياء الذين لا ذنب لهم فيما حدث، وأن الحديث النبوي الصحيح يقول:"إذا تقابل المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه؛ فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه" (رواه البخاري ومسلم) .

والواقع أن الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه؛ فيستطيع أن ينهض للقتال، ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، لا يملك إلا أن يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك، مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة؛ ذلك أنه لا يستطيع أن يتمتع بحقوق المواطنة دون أن يؤدي الالتزام المترتبة عليها.

ويتبين من ذلك أن الحرج الذي يسببه نص هذا الحديث الصحيح وأمثاله، إما أنه مرفوع، وإما أنه مغتفر في جنب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الأمريكي، بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام، إذا أصبحوا مشكوكًا في ولائهم لبلدهم الذي يحملون جنسيته، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وعليهم أن يؤدوا واجباتها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت