ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [10 - Jun-2008, مساء 01:52] ـ
د محمد بن إبراهيم السعيدي - 10/ 6/2008
يعتذر كثير من العلماء عن الانضمام إلى الهيئات الرسمية إيمانا منهم بأن هذا الانضمام يفرض عليهم الالتزام بسلوكيات دقيقة حيث لا يعود تمثيلهم مقصورا على أنفسهم بل يمثلون مجموع أعضاء هيئتهم ويحملون من مسؤلية الكلمة ما لا يحمله العالم الذي يمثل نفسه وحسب.
ولا تختلف عن ذلك هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ,فإن أعضاءها لا يمثلون أنفسهم لاسيما في القضايا الكبار التي تصدر فيها قرارات عن الهيئة ولذلك لم نكن نعرف عنهم - منذ أسست الهيئة حتى وقت قريب- الظهور بخلافاتهم على الملأ بل كنا نعرف منهم الالتزام بالقرارات الرسمية الصادرة عن هيئتهم بالإجماع أو بالأكثرية , وحقق ذلك الالتزام لهم في الماضي قوة وثقلا ليس على مستوى المجتمع السعودي والعالم الإسلامي وحسب ,بل كان لهم ثقلهم لدى صانعي القرار في الدولة صيرت لفتاوى الهيئة من المكانة ما يجعل تجاوزها أمرا عسيرا.
وبعد موت كبار العلماء المؤثرين حقا في ما يصدر عن تلك الهيئة من فتاوى ظهر للملأ أن عددا من أعضائها لا يعرفون حتى الآن ماذا يعني انضمامهم إلى هيئة رسمية , وكأن صمتهم السابق وأدبهم مع ما يصدر عن الهيئة من فتاوى لم يكن إلا لقوة أولئك العلماء الكبار حقا الذين وافتهم المنية وخسرتهم الأمة , وبدأت خلافاتهم في القضايا الحساسة والمنظورة في هيئتهم تظهر على الملأ على شكل ردود على بعضهم في الصحافة وتصريحات متناقضة في وسائل الإعلام , وكأن انضمامهم إلى الهيئة لا يعني لهم سوى اللقب والمكانة الاجتماعية.
ورغم أن هذا التقصير كاف وحده في إضعاف مكانة الهيئة , إلا أنه لم يكن هو وجه التقصير الوحيد , بل هناك ما هو أطم منه , وهو تقصير عدد منهم في التحرير الفقهي للمسائل المستجدات , فيمضون على الفتوى القديمة دون مراعاة لمستجدات الأمور التي كان تتبعها واستحداث الفتاوى فيها من أسباب إنشاء الهيئة أولا, ثم حين تقع المفسدة المتوقعة ينطلقون بشكل فوري في مراعاة أحوال الزمان والمآل , وكأن الزمان والمآل لم يظهرا لهم إلا أخيرا , وهم يعلمون جيدا أنه لولا ما يحدث من مستجدات محتاجة إلى تجديد دراستها بين الحين والآخر لكان ولي الأمر في غنى عن إنشاء تلك الهيئة.
كل ما قدمته عليه أمثلة كثيرة يعرفها الصغير قبل الكبير , وشهرة هذه الأمثلة يغني عن سردها وإطالة الحديث فيها , فقد بلغت الأمثلة من الاشتهار ما أضعف من مكانة الهيئة لدى عامة الناس وأصحاب القرار من ولاة الأمر , الذين رأوا أنه ليس من الحكمة أن يعطلوا البت في ما يرونه مصلحة من أجل انتظار قرار من هيئة لن تلبث بعد أن يصبح قرار ولي الأمر واقعا حتى يتسابق أعضاؤها إلى الإفتاء على وفقه , فلماذا ننتظر قرار الهيئة ومواجهتها بالأمر الواقع ستثمر عن حصول الفتوى المطلوبة.
إن هيئة كبار العلماء التي ضلت زمنا طويلا حصنا للأمة مما يحدق بها من أخطار العولمة و العصرنة تتهاوى اليوم تحت أنظارنا بسبب عدد من أعضائها الذين يجهلون وهم العلماء معنى انضوائهم تحت راية هيئة واحدة , وأصبحوا يقدمون خلافاتهم العلمية ورؤاهم الخاصة على وحدة القرار التي كانت تكفل القوة والمكانة للهيئة , كما أصبح الكسل عن التحرير العلمي الدقيق سمة لبعضهم ,مما جعل عددا من فتاوى الهيئة في النوازل الحديثة معتمدة على أقوال العلماء القدماء أو فتاوى الهيئة السابقة , وهو أمر جعل المجامع الفقهية وعددا من المواقع الإلكترونية المرموقة تؤدي في الإفتاء في النوازل أداء يفوق أداء الهيئة بكثير.
(يُتْبَعُ)