فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [حارث البديع] ــــــــ [28 - Jan-2009, صباحًا 09:26] ـ
أ. د. جعفر شيخ إدريس
النظام الافتصادي الرأسمالي السائد في العالم اليوم، الذي انهار بعض أعمدته وبدأت أخرى تهتز في الولايات المتحدة وفي أوروبا وغيره، نظام يقوم على نظرية اقتصادية معينة هي موضوع حديثنا في هذا المقال. فحديثنا ليس إذن عن الأسباب الاقتصادية وغير الاقتصادية المباشرة التي أدت إلى الكارثة الاقتصادية الراهنة، فهذا أمر له أهله وخبراؤه الذين أشبعوا الكلام فيه، وإنما هو عن النظرية التي كان العمل بها السبب الحقيقي لما يعانيه النظام الرأسمالي من مشكلات. فنقول إن الكارثة الاقتصادية الراهنة كانت دليلا يضاف إلى أدلة أخرى على فشل النظرية التي قام عليها الاقتصاد الرأسمالي. وهي دليل من ناحيتين: من ناحية أن العمل بالنظرية هو الذي أدى إلى الكارثة، ومن ناحية أن علاج الكارثة يتطلب الخروج على ما تقتضيه النظرية.
تقول النظرية إن الاقتصاد الناجح هو اقتصاد سوق يسمح بالملكية الفردية وبالبيع والشراء والادخار ويترك للسوق تحديد أسعار السلع، وإن هذا كله ينبغي أن يكون في حرية كاملة لا يحد منها أي تدخل من الدولة. كان الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث الذي عاش في قرنهم الثامن عشر هو أكثر من اشتهر بالقول بهذه الفلسفة الرأسمالية، لكن المؤرخين يقولون إنه هو نفسه تأثر بكتابات ماندافيل الذي كان أكثر منه غلوا في هذا الأمر فهو المشهور بقوله"إن الرذائل الفردية هي فضائل اجتماعية"في مجال الاقتصاد. كان سميث وغيره يقولون إنه لا بأس على الفرد أن يندفع لتحقيق مصالحه بدافع الأنانية، بل قال بعضهم بدافع الطمع ليحقق مصالحه وإن النتيجة ستكون ـ بفعل تلك اليد الخفية ـ أمر لم يخطر على بال الفرد، هي المصلحة العامة.
لكن الواقع أن هذه اليد الخفية لم تقم بالمهمة التي عزاها إليها سميث وغيره، وإنما أدى ذلك الطمع الفردي المتروك له الحبل على غاربه إلى تقسيم الثروة تقسيما ظالما بحيث إن قلة قليلة من المواطنين تصل أحيانا إلى 10 في المائة تمتلك ما يصل أحيانا إلى 90 في المائة من الثروة، ولا يمتلك 90 في المائة الباقون إلا 10 في المائة منها، ما جعل بعض الاقتصاديين الأمريكيين يقولون ساخرين إنه يبدو أن شيئا أصاب تلك اليد فشلها. وبدأت الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد حدتها منذ سنين ما جعل بعض الاقتصاديين يقولون إنه إن استمر التفاوت على تلك الوتيرة فسيؤدي حتما إلى كارثة اجتماعية.
إن الأمر المثالي للنظرية الناجحة أن تكون النتيجة أحسن فأحسن كلما كان واقع العمل بها أقرب إلى مثالها النظري. لكن الغريب في النظرية الرأسمالية أنه لو كان الواقع مطابقا لصورتها المثالية لكانت الكوارث أكثر ما تكون. الصورة المثالية للنظرية هي ألا يكون للدولة أدنى تدخل في النشاط الاقتصادي. لكن هذا معناه ألا تفرض الدولة على الناس ضرائب، ولا تضع قوانين تقيد بها النشاط الاقتصادي، كأن تمنع صنع بعض الأشياء الخطرة أو المتاجرة بها، وكأن تحدد الأماكن التي تبنى فيها المصانع، وتضع لها شروطا صحية وبيئية وغير ذلك. لكن كل هذه القيود ما زالت تحدث إلى حد ما في الدول الرأسمالية. الدولة إذن تدخلت لكن تدخلها لم يكن بالقدر الذي يرفع الظلم، بل كانت تميل دائما إلى إعطاء الحرية للأغنياء مهما أدى ذلك إلى التضييق على الفقراء. خذ نظام الضرائب في الولايات المتحدة مثلا. إن الضريبة لا تؤخذ من رأس المال كما هو الحال في الزكاة وإنما تؤخذ فقط من دخل الفرد في العالم المالي. وهذا معناه أنه إذا كان هنالك شخصان أحدهما يمتلك مليوني دولار والآخر لا يمتلك شيئا، لكن دخل كل منهما في السنة المالية كان 100 ألف دولار، فإن نسبة ما يؤخذ منهما متساوية، أي أن الضريبة لا تتعرض لرأس المال الذي كان موجودا قبل السنة المالية. قال كيفن فلبس في كتابه عن"الديمقراطية والثروة"إنه لو أخذت ضريبة مقدارها 3 في المائة على رؤوس الأموال في أمريكا وحدها لما بقي على وجه الأرض فقير! ولعل القارئ لاحظ أن هذه النسبة قريبة جدا من نسبة الزكاة التي تفرض فعلا على رؤوس الأموال.
(يُتْبَعُ)