ـ [النهر الجاري] ــــــــ [24 - Dec-2008, مساء 09:55] ـ
ظهرت الديمقراطية بعد الثورات الكبرى ضد النظام القديم, لتكون هي المعبرة عن ثقافة العصر الحديث, وقد فتن الناس بها, وبهرتهم شعاراتها, مثل الحرية, والضمانات الإجرائية في الاتهام والمحاكمة وحقوق الإنسان, وحرية العبادة, والحريات الشخصية, ولهذا اندفعوا نحوها, وأصبحت هي الدين الجديد في العصر الحديث.
يقول"كارل بيكر": وكما كان الناس على استعداد لأن يقاتلوا في سبيل الدين والكنيسة أصبح الرجل على أهبة القتال والموت في سبيل دولته وشعبه" (1) ."
ولكن هذا الانبهار أخذ يتبدد بعد زوال غمامة الحماسة, فزالت السكرة وبقيت الفكرة. وظهرت الأزمات المتلاحقة للديمقراطية, وضعفت الثقة بهذا النظام في أغلب الدول التي طبقته, وكما يقول"بارثلي":"لقد كان لبعض المفكرين الأحرار في القرن التاسع عشر ثقة بالغة في نظام الحكومة الديمقراطية النيابية, ولكن حرارة تلك الثقة قد عاجلها الهبوط والفتور في العصر الحديث" (2) , وهذا ما جعل عددًا غير قليل يتبنى الأنظمة الاشتراكية كدول أوروبا الشرقية ونحوها.
وقد برزت مظاهر هذه الأزمة في مجالات متعددة, ونقاط مختلفة يمكن من خلالها تصور حقيقة الأزمة في الأنظمة الديمقراطية:
1 -مفهوم الديمقراطية:
يعتبر مصطلح الديمقراطية من المصطلحات الغامضة والمضطربة, لأنها تطلق على أشكال مختلفة بحيث يصعب إدراك المفهوم الصحيح من الزائف, وأي محاولة لتحديد مفهوم الديمقراطية بدقة علمية فإنه يواجه بتعقيدات كثيرة.
ولعل الأفكار الآيديولوجية المختلفة حول العلاقة بين"الحرية والمساواة"من أبرز أسباب الغموض والضبابية, وهذا ما يؤكده المؤرخ الإنجليزي"أرنولد توينبي" (3) عندما قال:"أصبح استخدام اصطلاح الديمقراطية مجرد شعار من الدخان لإخفاء الصراع الحقيقي بين مبدأي الحرية والمساواة" (4) . ولهذا ظهر من أنماط الديمقراطية ما يعرف بالديمقراطية الليبرالية, والديمقراطية الشعبية, والديمقراطية الاشتراكية, هذا بالإضافة إلى اختلافات قوية بين الأنظمة الديمقراطية في نظام الأحزاب, والانتخابات, وتشكيل الحكومة ودورها ونحو ذلك.
2 -الأحزاب السياسية:
عماد الأنظمة الديمقراطية هي الأحزاب السياسية, ولا يمكن نجاح العملية الديمقراطية دون وجود أحزاب سياسية, ولكن الأحزاب السياسية-أيضا-هي من أشد أزمات الديمقراطية. ومع مكانة الأحزاب في الأنظمة الديمقراطية فقد شكك فيها عدد من مؤسسي الولايات المتحدة لما فيها من النتائج السيئة للروح الحزبية فيرى"جورج واشنطن"أن"الروح الحزبية في البلاد الديمقراطية النيابية هي روح يجب عدم تشجيعها" (5) .
فالأحزاب تسيطر عليها أقلية محددة لاسيما إذا كان عدد أفراد الحزب كثيرًا، بحيث تصبح الرقابة على قيادة الحزب صورية،"وينتهي الأمر إلى الاكتفاء بالاطلاع على بيانات غاية في الإيجاز تتعلق بأعمال الحزب ... وهكذا يعتاد رئيس الحزب على القيام بحل كثير من المسائل الهامة دون عرضها على الأشخاص المنتمين للحزب" (6) .
وبهذا تكون الأحزاب السياسية غير معبّرة عن إرادتها فضلا عن إرادة الأمة. ويزعم الديمقراطيون أن النظام الحزبي يقضي بتعددّية الرأي الموصل لأفضل الآراء والأفكار ولكن الحقيقة أن الصراع الحزبي ليس صراعًا يهدف للوصول إلى نتيجة موضوعية بغض النظر عن الأشخاص بل هو يستدعي التكتل والتحزب المفرّق للأمة، وهذا ما يزرع بينها العداوة والبغضاء، والاجتماع حول الأشخاص دون مراعاة للأصلح، ولهذا فالمنافسة تولّد التفرّق. يقول"هارولد لاسكي":"إن نظام المجموعة يميل إلى تجميع السلطة حول الأشخاص أكثر من تجميعها حول المبادئ" (7) .
وكذلك فالأحزاب تحرص على أن يكون لها برامج, ولكنها قلّما تفي بمبادئها وبرامجها, يقول"جارنر": إن الحزبين الكبيرين في أمريكا لم يظلا متمسكين بمبادئهما وبرامجهما ثابتين عليها سواء من الناحية النظرية أو الناحية العملية" (8) ."
(يُتْبَعُ)