فهرس الكتاب

الصفحة 25512 من 28557

ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [08 - Jun-2010, صباحًا 08:17] ـ

إذا رأيت أحد الوُعول يجيء إلى صخرة كبيرة، فيَجْعَلُ ينطَحها؛ يبتغي أن يُزحزِحَها عن مكانها، فما هو إلا أنْ يَنكَسِر قَرْنُه ويَدمى ويمضي، ثم لا يَلبث بعد أن تجفَّ دِماءُ قرْنِه المنكَسِر أن يعود مرةً أخرى لينطح الصخرة بقرنه المكسور، فيؤذي نفسه، والصخرةُ في مكانها لا تتزحزح.

فقد تنْزَعج لغبائه، وتَرثي لحاله، ولكنك تعذره؛ فالوعل حيوان لا عقْلَ له، ولا ينتفع بالتجارب.

لكن كيف لك أن تَعذر أُناسًا حبَاهم الله بالعقل والتفكير، يَستميتون في القيام بدَوْر هذا الوعل، فلا ينتفعون بالتجارِب، ولا ينجَعُ فيهم النُّصْح، ولا تُفيدهم عِبَرُ الأيام والليالي، بل هم مصِرُّون على ما فيه عَطَبُهم، مُقِيمون على ما فيه ضررهم، لا يلتفتون لقولِ ناصح، ولا يَعبَؤون بتحذيرِ مُشفِق، مَفتونون بخوض المعارك الخاسرة، ولو راحوا ضحيتَها هم وأتباعهم.

أمثلة هذا النوع من الغباء منتشرةٌ في عقولٍ كثيرة في مجتمعاتنا، وتظهر في ممارساتِ طوائفَ وتياراتٍ فكريَّةٍ عديدة، لكنَّ أشَدَّها ضررًا، وأعظمَها خطرًا، وأَنْكَاها وَبالًا على مجتمعاتنا - غباءُ أولئك العلمانيِّين واللِّبراليِّين مِن بَنِي جلدتنا، الذين أُولِعوا بمناطحة ديننا وقيمنا وتراثنا؛ مِن أجْل تحقيق نهضتِنا والرقِيِّ بأمَّتنا - زَعَموا.

فمَا هو إلا أنْ أَدْمَوا أخلاقَنا وقِيَمنا، وأهلكوا أنفسهم وغيرَهم؛ بأن أضاعوا آخرتَهم وخسروا دينهم وإيمانهم، ولم يتحقَّقْ لهم ولا لأمتهم ما كانوا يزعمون، أو يبتغون مِن نهضة ومَدَنية، مُضَاهِيَة للغرب ونهضته ومَدَنيته وحضارته.

لقد زعم هؤلاء الفاتنون المفتونون أن سِرَّ تخلُّفِنا ورجعيَّتنا في تمسُّكِنا بدِيننا وأخلاقنا وتراثنا، فشَنُّوا على ثوابتنا حرْبًا ضَرُوسًا في غاية الضَّراوة، لا تهدأ ولا تبرد، في أماكنَ كثيرةٍ مِن العالم الإسلامي، لها الآن عشرات السنين، لا تخبو في مكان حتى تقوم في غيره.

ففي مصر قبل أكثرَ مِن مائة عام، بَدأَتْ تلك الحرْبُ، وأوقد نارَها علمانيُّو مصر، وتولَّتْ صحفُهم الهجوم على الثوابت الإسلامية، وصار الدِّين هو الجلبابَ البالِيَ الذي لو نزعَتْه مصرُ عن جسدها لصارت قطعةً من أوربا؛ تَمَدُّنًا وحضارةً، وحريةً ورخاءً، وعدالةً ومساواةً!

وقامت الحرب على الدِّين على قَدَم وساق، فكلٌّ يريد أن يمزِّق مِن ذلك الثَّوبِ ما يقدر عليه؛ كي تنهض مصر مِن رَقْدتها، وتبدأ مسيرة حضارتها، ووازاهم في حربهم تلك جيشٌ من المستشرقين والمبشِّرين، بل مِن المستعمِرين الإنجليز أنفُسِهم.

فهوجم التراث، وزُعزِعت الثوابت، وشُكِّك في السُّنَّة ورُواتِها، كما يَفعل ليبراليُّو اليومِ، بل شُكِّك في القرآن، واستُهزئ بكلام الله ورسوله، كما يُستهزأ به الآن.

وارتمى علمانيو الأمس في أحضان الماركسيَّة والاشتراكية، وغيرها مِن (موضات) ذلك الزمان، كما يَرتمي علمانيُّو اليومِ في أحضان (موضة) هذا العصر"اللبيرالية".

ونُودي يومَها بوجوب البراءة مِن كل ما هو إسلامي، وسمَّوْه القديم؛ لأنه رجعيَّةٌ وتخلُّف، وبوجوب الولاء لكل ما هو غرْبي، وسموه الجديد؛ لأنه تحضر وتقدُّم!!

وكان كثيرٌ من أولئك المحاربين للدِّين اللادِّين في خصومته لا يُجاهرون بغايتهم؛ لئلا يفتضحوا عند العامة إنْ هُم أبانوا عن حقيقة مقصدهم، بل يستَتِرون بالتَّنوير والحرية، وتجديد الدِّين ليواكب العصر، تمامًا كما يفعل لِيبراليُّو اليوم.

وعندما يَمَّمَ علمانيُّو مصر وَجههم شَطْرَ أوروبَّا والغرب؛ يَبتغون عندها الحضارة والرُّقِيَّ، كانوا قد عَزموا على أخذ كل ما جادت به حضارة الغرب في سبيل أن يَحصل لنا الرُّقي المنشود، حتى قال أحدُ دُعاة التَّغريب في جَرْأة وصَفَاقة:

"سبيل النهضة واضحة بيِّنة مستقيمة، ليس فيها عِوَج، ولا الْتِواء، وهي: أن نَسير سيرةَ الأوروبيين، ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شُركاءَ في الحضارة، خيرِها وشرِّها، حُلوِها ومُرِّها، وما يُحَبُّ منها وما يُكْرَه، وما يُحمد منها وما يعاب".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت