فهرس الكتاب

الصفحة 15158 من 28557

ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [12 - Feb-2009, صباحًا 11:15] ـ

السيد يسين

أزمة الحوار في المجتمع العربي

ليس هناك شك في أن ثمة أزمة في الحوار السياسي والفكري في المجتمع العربي، وترد هذه الأزمة إلى أسباب متعددة ومتشابكة ومعقدة في الوقت نفسه. ونحتاج حتى نفهم الأسباب العميقة للأزمة إلى أن نرسم خريطة سياسية للنظام الإقليمي، وخريطة ثقافية للمجتمع العربي في ذات الوقت.

والواقع أن الخلافات السياسية والإيديولوجية العربية- العربية قديمة ومتجددة في الوقت نفسه. ولا ننسى في هذا المجال أن أبرز الخلافات العربية القديمة ظهرت في العهد الناصري حين صيغ التصنيف الشهير للدول العربية الذي قسمها إلى دول تقدمية ودول رجعية! (الدول التقدمية كانت -في عرف هذا التصنيف- هي الدول"الثورية"مثل مصر وسوريا والعراق، في مواجهة الدول التقليدية) .

ودار الصراع أساسًا -على الصعيد الإيديولوجي- بين الاشتراكية والتوجه الإسلامي.

المساجلات ليست حوارًا بالمعنى الصحيح، لأن أطرافها تنطلق من أن كل طرف هو الذي يمتلك الحقيقة المطلقة! وحين يسود هذا الاتجاه يلغي الحوار.

ودار الجدل الفكري المحتدم بين أنصار الماركسية ودعاة الاشتراكية العربية وذلك داخل معسكر الدول التقدمية، بالإضافة إلى الصراع مع مفكري معسكر الدول"الرجعية"، الذين رفعوا راية الإسلام للدفاع عن صحة توجههم الإيديولوجي وبطلان آراء أنصار الاشتراكية.

كانت هذه سنوات عجافا حقًا في تاريخ الحوار العربي العربي وهي التي سماها عالم السياسة الأميركي المعروف"مالكوم كير"الحرب الباردة العربية، قياسًا على الحرب الباردة العالمية، التي دار فيها الصراع الإيديولوجي العنيف بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية.

وهذه المساجلات لم تكن حوارًا بالمعنى الصحيح، لأن أطرافها انطلقت من أن كل طرف هو الذي يمتلك الحقيقة المطلقة! وحين يسود هذا الاتجاه فإنه عمليًا يلغي الحوار، لأنه -بحسب التعريف- يعني من بين ما يعنيه إمكانية قبول نقد الآخر، والاستعداد للوصول إلى حل وسط. وذوت هذه المساجلات الإيديولوجية، خصوصًا بعد هزيمة يونيو 1967، حيث رفعت مصر رائدة الدول التقدمية شعار"وحدة الصف"في مواجهة إسرائيل، بدلًا من الشعار الماضي"وحدة الهدف". وبعبارة أخرى أراد هذا الشعار الجديد أن يقول إنه مهما كان هناك تباين في طبيعة الأنظمة السياسية العربية، إلا أن الأهم من ذلك هو الوحدة في مواجهة الدولة الصهيونية لإزالة آثار العدوان.

ودارت مساجلات حادة أخرى بعد حرب أكتوبر 1973، حين اتجهت مصر -من أجل استكمال مشروعها الأساسي وهو تحرير الأراضي المصرية- إلى عقد سلام تفاوضي مع دولة إسرائيل. وتم ذلك أولًا من خلال توقيع اتفاق كامب ديفيد، واستكملت الخطوات بتوقيع معاهدة الصلح المصرية/ الإسرائيلية. وأدى الموقف المصري من الاعتراف بإسرائيل وتوقيع معاهدة سلام معها إلى مساجلات إيديولوجية حادة وصراعات سياسية عنيفة بين مصر وباقي الدول العربية الرافضة، التي أطلقت على نفسها"جبهة الصمود والتصدي". في هذه المرحلة أيضًا توقف الحوار وسادت المساجلات الإيديولوجية الحادة، وكل طرف يتهم الآخر بأنه على باطل، وأن الحق هو الذي يعبر عن موقفه. وجاء عام 1990 الذي شهد الغزو العراقي غير المشروع لدولة الكويت، والذي كان في الواقع انقلابًا على معاهدة الدفاع العربي المشترك من ناحية، وعلى الشرعية الدولية من ناحية أخرى. وانقسم العالم العربي بين دول معارضة للغزو ودول مؤيدة.

وهنا نحن نشهد هذه الأيام الانقسام العربي حول السلوك السياسي لحركة"حماس"التي قامت بانقلاب عسكري ضد السلطة الفلسطينية في غزة، وأرادت الزعم بأنها هي التي تمثل الشعب الفلسطيني. وقد أدى السلوك الفعلي لـ"حماس"وغياب استراتيجية واضحة لها في موضوع مقاومة إسرائيل، وتذبذبها بين قبول التهدئة وإطلاق الصواريخ العشوائية، إلى تقديم الذريعة للدولة الإسرائيلية العنصرية لأن تشن حربها الهمجية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت