فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [خالد المرسى] ــــــــ [23 - Aug-2008, صباحًا 04:03] ـ
ما الحكمة من النهي عن القتال في مكة؟
أمام هذا الثبات وذاك الصبر، وأمام هذا التحمل العظيم للأذى الشديد يبرز سؤال هام جدا قد يدور في ذهن الكثيرين، وهو: لماذا أمر الله عز وجل المسلمين بالكف عن القتال في مكة؟
لماذا تحمل المسلمون هذا الألم ودون رد ودون تغيير؟ ولماذا لم يسمح لهم بالرد على الإيذاء وقد كان منهم من يستطيع ذلك؟
أليس في مثل هذا خنوع وسلبية؟!
وفي معرض الرد على هذا السؤال نذكر عدة أسباب، وقبل سردها نلفت الأنظار إلى حقيقتين مهمتين:
الحقيقة الأولى: أن هذا الكف كان أمرًا ربانيًا مباشرًا:
فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
[فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ] {الحجر:94} .
ومن هنا فمن المؤكد أن الخير كل الخير كان في هذا الإعراض، وأن الحكمة البالغة كانت تقتضيه، وحكمة الله عز وجل لا يحيط بها أحد، ولا يقدر على ذلك بشر، ونحن بطاقتنا المحدودة نبحث فيما نعتقد أنه الحكمة من وراء الكف عن القتال في مكة.
الحقيقة الثانية: أننا أُمرنا باتباع أوامر الله حتى مع عدم تبدي الحكمة لنا من وراء ذلك:
فليس معنى أننا لم نجد بعقولنا حكمة مقنعة تسوغ لنا فرض هذا الأمر أن نقوم بمخالفته، يقول تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا] {الأحزاب:36} .
وبعد وضوح هاتين الحقيقتين فيمكننا البحث في حكمة الكف عن القتال في مكة على الوجه التالي:
الحكمة الأولى:
البعد التربوي الهام في هذا الوضع، فلا شك أن هذه الصورة الجديدة على أرض مكة، وهي صورة التعذيب الشديد لطائفة من الناس على أيدي غيرهم، وقبول هذا الطرف المعذَّب لهذا الأمر دون رد، هذه الصورة الجديدة تربي في المؤمنين أمورًا من الصعب أن تُربى في ظروف غيرها، ومن هذه الأمور الصبر من نوع خاص.
فأنواع الصبر كثيرة، والعربي بصفة عامة صبور؛ إذ إنه يستطيع الصبر على آلام الجوع والحر والفقر وطول السفر، والصبر على الحروب وغيرها، وكل هذا حسن وحميد.
لكن العربي لا يصبر على تحمل الظلم؛ إذ إن طبيعته الثائرة لا ترضى بالضيم ولا بالجور، فتراه يثور ولو كان الثمن هو حياته نفسه.
أما الآن فقد أصبح من أهداف المؤمن أن يقيم أمة ودولة، ومن متطلبات بناء الأمة أن يكون البناء متدرجًا وأن يمر بمراحل مختلفة، وألا ينظر الفرد إلى مصلحته الشخصية، بل يتعداها إلى مصلحة المجموع، وهذه كلها أمور ما كان للعربي أن يفكر فيها قبل ذلك.
فقد صار واجبا عليهم عدم الالتفات إلى حظ النفس، وأن يتركوا الانتصار لذواتهم وذلك لصالح الأمة وصالح الجماعة، وهذه تربية على شيء جديد، وتحتاج إلى وقت وإلى صبر؛ إذ ليس من الممكن أن تقوم أمة أفرادها يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالحها العامة.
ومن هنا فإن الكف عن القتال كان ضروريا من أجل أن يُربى المسلمون على هذا النوع الهام من الصبر، وهو الصبر على ضياع المصلحة الخاصة في مقابل إنجاح المصلحة العامة.
الحكمة الثانية:
التربية على مبدأ حُسن السمع والطاعة للقيادة، وهو أمر من الأهمية بمكان، ولا تكاد تقوم جماعة إلا به، ولا تكاد أمة تقوم إلا عليه، ذلك هو: التربية على الطاعة لقيادة هذه الأمة الناشئة.
وإن المقياس الحقيقي للطاعة هو أن تطيع (في غير معصية الله سبحانه وتعالى) دونما جدل أو ضجر أو اعتراض، خاصة فيما لا يوافق هواك، أما إذا كان الأمر قد وقع على هوى في نفسك فلا فضل إذن في الطاعة؛ لأنك ستطيع لأنك تهوى هذا الأمر.
وإن الطاعة الحقيقية للقائد تتطلب أن يعتقد الجندي بأن في طاعته لقائده طاعة لله عز وجل، وأنه مأجور عليها، يقول تعالى:
[مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا] {النساء:80} . فإذا تعامل الجندي مع قائده بهذا المنطلق فإنه سعيه إلى طاعة قائده هو تماما كسعيه إلى أي عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل.
(يُتْبَعُ)