ـ [أبو سفيان الأثرى] ــــــــ [15 - Jul-2010, صباحًا 05:39] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده وعلى آله وصحبه وبعد،
روى الحديث من عدة طرق وبألفاظ مختلفة يجمع معاني هذه الألفاظ ثلاث روايات:
1 -عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِى خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً". [أخرجه البخاري 8/ 123 (6469) ]
2 -عَنْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِى الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ". [أخرجه البُخاري 8/ 9 (6000) ، ومسلم 4/ 2108 (2752) ]
3 -عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". [أخرجه أحمد 2/ 434 (9607) ومسلم6/ 98 وابن ماجة 4293]
ما فهمته والله أعلم، أن الحديث يحتمل وجهين:
الأول: أن إضافة الرحمة في الحديث إلى الله جل وعلا إضافة المخلوق لخالقه فالرحمة هنا ليست صفة لله جل وعلا، إنما هي أثر الصفة كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان 48] وقوله تعالى في المطر {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم:50] ، وما جاء في الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال"قال الله تبارك وتعالى للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء"وأمثلة ذلك كثيرة، فاضافة الرحمة هنا إضافة المفعول إلى فاعله فتكون مفعولًا لله مخلوقا لهً، وهي من أثر صفة الرحمة الذاتية،
ويلزم من ذلك أحد شيئين:
أولهما: أن تكون التسعة وتسعين رحمة المذكورة في الحديث أعيان قائمة بذاتها يرحم الله بها المؤمنين يوم القيامة كحوض النبى صلى الله عليه وسلم وظل العرش والجنة وغير ذلك فكل هذه أعيان مخلوقة ليرحم الله بها المؤمنين يوم القيامة، وهى من آثار رحمة الله الذاتية.
الثانى: أن تكون التسعة وتسعين رحمة هذه يجعلها الله في قلوب المؤمنين يتراحموا بها فيما بينهم، كما جاء في الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"إذا خلص الله المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار .."وأيضا شفاعة الملائكة والأنبياء ناتجة عن الرحمة التى وضعها الله في قلوبهم كما جاء الحديث السابق في زيادة عند أحمد وغيره"ثم يقول الله: شفعت الملائكة و شفع الأنبياء و شفع المؤمنون و بقي أرحم الراحمين ..."وشفاعة الغلمان الصغار لأبائهم، ويشهد لهذا القول ما أخرج ابن جرير في التفسير عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال:"إن لله مائة رحمة، فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن، والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض وهوامها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة"وأيضا شفاعات النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعة
(يُتْبَعُ)