ـ [خالد المرسى] ــــــــ [24 - Aug-2007, مساء 07:20] ـ
وحتى لا نفجع بأجيالنا ... يجب على العلماء والمربين والحكماء أن يعيدوا النظر في منهجية التعليم وطرائقه, فليس العلم والثقافة مجرد الحفظ والحقائق الجاهزة, بل العلم والثقافة امتلاك المنهج المنضبط, وتنمية قدرات التعليم الذاتي, والبحث عن الحقائق بواسطة تحليلها وتركيبها, وإلا فإن في نمط التعليم التلقيني الذي أدمناه من مرحلة الروضة إلى مرحلة الجامعة, وفي مجرد تكرار المحفوظ وإعادته كسلًا للأذهان وتلبدًا للمدارك, تصبح فيه العقول سجنًا مظلمًا كئيبًا لا تطلع عليه شمس ولا ينفذ إليه هواء.
انفلقت بيضة الحضارات البشرية عن كبرى حقائقها القائلة"إن الدواة والقلم وسيلتان لتطهير صداءة الأذهان, وإزالة جهالة العقول, وتحرير النفوس من أغلال وآسار الأمية العمياء".
ولذلك احتضنت الحضارة الإسلامية تلك الحقيقة وأيَّدتها , وجعلتها منحة ومنّة لا غنى للإنسان عن شكر وحمد من وهبها , قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سورة العلق:3 - 5] .
غير أنه لا يمكن أن تكتمل حرية الإنسان وكرامته بمجرد تلك الوسيلة الحضارية, فإذا لم يكن للقلم أثر في نضج عقل صاحبه , وعمق نظره , واتساع رقعة فكره الإدراكية , فليس هناك حاجة حضارية تدعو إلى التحلي به , إلا إذا قدر على تحرير الإنسان من أميته الفكرية , كما استطاع أن يحطم أغلال أميته التقليدية الأبجدية , إذ ما فائدة تحقيق الوسيلة الحضارية [تعلم القراءة والكتابة] دون تحقيق هدفها النبيل [النضج الفكري] ؟!.
بكينا ضحايا أزمة أمية القراءة والكتابة في مجتمعاتنا حتى توجهنا بكلِّيَّتنا إلى محاولة التخفيف منها , ولكن ضحايا أزمة أمية الفكر لا بواكي لهم!! فهل لخفاء هذه الأزمة دور؟ أم لعظم عوائق علاجها تأثير؟ أم لتلبس هذه الأزمة لباس العلم والثقافة والنضج - وهي منها براء - أثر؟!!
وتلك الأخيرة - لعمر الحق - أخطر صورها , إذ تظهر بصورة العافية وهي السَّقام المدنف!! وتتجلى بحسن المنظر وبهجة الرُّوَاء , وما هي إلا الوحشة والدمامة, وتتقمص لباس العلم وما هي إلا التعالم! فكم من عمامة مكوَّرة وعباءة مزركشة تسترها! وكم من منصب حكومي أو علمي يغمرها!! لكنها لا تلبث حتى ينكشف أمرها عند ورود الأزمة وتأزم المشكلة, فيمسي صاحبها أحير من ضبٍّ في حَمارَّة القيظ لا يكاد يهتدي إلى جُحره!!
فالعلاقة بين القلم وإطلاق وثاق الإنسان من أميته الفكرية ليست علاقة حتمية , إذ إن نبذ الأمية الأبجدية لا تستوجب التنزه من الأمية الفكرية , وشواهد تلك الأزمة الفكرية محسوسة , فأرحام الجامعات والمحاضن التعليمية تدفع , وأمية الفكر وسذاجة التفكير تبلع, وهذا مصداق ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم , إذ نبيء أن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل ويفشو ويظهر فيها القلم.
وإذا كان العلم بالكتابة والقراءة يناقض الأمية الأبجدية , فإنه قد يلتقي مع أمية الفكر في الغفلة والجهالة بالواقع المتنامي في معارفه والمتطور والمعقد في تفصيلاته , وإذا كان أمي البنان يجد آلامًا وغصصًا في تعامله مع المجتمعات التقليدية المتعلمة , فإن أمي الفكر عاجز كل العجز عن فهم حياته الفكرية ومتطلباتها, والمشاركة في حل أزماتها ومشكلاتها , لأنه رضي بأغلال التقليد وقنع بأصفاد الجمود , وأصبح مشلول الفكر مسلوب الإرادة , لا يستطيع أن يأخذ من ماضيه لحاضره , ومن حاضره لمستقبله, بل يقع فريسة أحد زمنين لا وجود لهما في عالم الزمن الحي , إما ماضٍ تليد , وإما مستقبل مديد , يجاوز بأحدهما الواقع وظروفه وضروراته.
وقديمًا ذم الله أقوامًا من اليهود بسبب أميتهم الفكرية , إذ يقول سبحانه: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [سورة البقرة:78] ، فهم"جهلة أغبياء , لاحظ لهم في التوارة إلا القراءة الخالية من التدبر, المقرونة بالتمني."
(يُتْبَعُ)