فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 28557

ـ [أبو عبد الرحمن اليمني] ــــــــ [14 - Mar-2007, مساء 02:56] ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذه خطبة للشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس حفظه الله إمام الحرم المكي

وهي بعنوان (التشنيع على أهل التجريح والتبديع

الحمد لله، تَقْصُرُ دُونَ مِدْحَتِهِ صُنُوفُ النُّعُوتِ ثَناءً وأوصافًا، نحمده تعالى ونشكره أن جعلنا أمة واحدة، وأسبغ علينا من وافر آلائه عطاءً وألطافًا، وأوجب علينا التآخي اعتصامًا وائتلافًا، وحرم الفرقة بيننا تنازعًا واختلافًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توعد بالخسار أهل الأهواء زيغًا وإرجافًا، وبسط يديه بالمغفرة لمن أناب إليه افتقارًا واعترافًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أفضل الخليقة محفدًا وأشرافًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خيار هذه الأمة خلفًا وأسلافًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان يرجو من الله قربًا وازدلافًا، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد:

فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسِي بتقوَى اللهِ عزّ وجلّ، فإنّ التّقوَى هي الحَبلُ الأقوَى للفوزِ بجنّة المَأوَى، تربِط على القلوب ساعةَ الفتَن، وتُنير الدروبَ أوقاتَ الأزَمَات والمِحَن. مَن عمرتِ التّقوى قلبَه سلِمت طويّتُه من الضّغَن، وهُدِي إلى خيرِ سبيلٍ وأقوَم سَنَن.

أيّها المسلمون، لا يجِد النّاظر في تأريخ أمّتِنا عنَاءً في الوقوفِ على تميُّز حضارتها وتحقُّق قيادتِها وسيادتِها وريادتِها على العالَم بأسرِه رَدحًا من الدّهر وأحقابًا من الزمان، ومَردُّ تلك الغَلَبة وذيّاك العلُوّ إلى الاعتصامِ بالوحيَين الشّريفَين ولزومِ قاعدةِ الوَحدة والائتلاف ونَبذ الفُرقة والاختلاف، تحقيقًا لقوله سبحانه: إِنَّ هَـ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَ?عْبُدُونِ [الأنبياء:92] .

كما لا يلقَى المتأمّل في وضعها الراهِن عَناء في القولِ: إنّ أمّتَنا أظلّها زمان حالِكٌ بالغوائِل والمدلهمّات، مع سَيرٍ في حرّةٍ كأداء، تتناوشها نِصال أعداءٍ ألِدّاء، وترمُقُها مُقًلٌ حاسِدة وأحداق حاقِدة أضمَرَتِ الكيدَ والعداء، مع ما تعانيه من شتاتٍ ذاتيّ ونفورٍ داخليّ وصراعٍ بينيّ وفهمٍ آحاديّ لكثير من القضايا وطُفُوِّ أفكار منحَرفة هدّامة وظهورِ فئامٍ مرقت عن صفِّ الملّة والجماعة، فلم يزد ذلك في جسَد الأمّة إلاّ أوصابًا وتَفريقًا وجروحًا وتمزيقًا.

ولله سبحانه في ذلك كلِّه الحكمة البالغةُ كما قال سبحانه: وَنَبْلُوكُم بِ?لشَّرّ وَ?لْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] . وكم للمِحن والأزماتِ مِن شأنٍ عريض في صقل الأمَم ورُقيِّها، ولكن كلّ يومٍ يمضي من حياةِ الأمّة لا تُشخِّص فيه عِللَها ولا تأخذ فيه بأسبابِ النهوض من كبوتها لَيؤخِّرها أمدًا بعيدًا ويزيدُ من تمكُّن اليأس والقنوطِ لدى كثيرٍ من الشرائح والأوساط في جَدوَى تماثُلها للشّفاء واستئنافِ تسنُّمها لذُرَي العلياء.

أمّة الإسلام، وتِلك وفقةُ تذكيرٍ لتثبيتِ أهمِّ المعالم على جَنَبات طريقِ النّهضة الواعِية التي ينبغِي أن ينتهِجَها أهلُ الحقّ، تكون بيانًا للآسي وتذكرةً للنّاسي وتعليمًا للجاهِل وتنبيهًا للذّاهل وإسهامًا في لمِّ الشتاتِ وذمّ الفُرقة والانبتات والنّأيِ بالأحبّة عن وَحَر الصّدور ودَرَن المقاصدِ وبواعِث الشّرور.

إخوةَ الإيمان، إنّ شريعتَنا الغّراءَ قصَدت إلى الألفةِ والوِفاق، ونأت عن مسالِكِ التّنازع والشّقاق والافتراق، ونادَت بالمحبّة والإخاء، وحَضّت على التّسامُح والتّراحُم والتّناصُر والتّلاحُم، سيما بين أهلِ الحقّ، أهلِ المشرَب الواحدِ والمنهَج الواحد، والكتابُ والسنّة زاخران بالبراهين المشرِقةِ على تلك الصفاتِ المتَوهِّجة بكلّ معاني الغاياتِ السامِية.

يقول سبحانه: وَ?عْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ?للَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103] ، وفي ذلك امتنانٌ بتغيِير الحالِ المتشتِّت الشّنيع إلى الحالِ المنتَظِم البَديع.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت