ـ [محمد السيد المصرى] ــــــــ [29 - May-2008, مساء 11:25] ـ
إن السلفية تنفي بمعناها ومبناها ومغناها أن تكون امتدادًا لأيِّ حركة حزبية سياسية تجعل الحكم غاية لا وسيلة! تعمل لبلوغه بكل مكر ودهاء وحيلة، وتتخذ الإسلام شعارًا حتى إذا بلغت ما أرادت وحلقت فيما استباحت مرقت من سبيله!
وذلك أن السياسة في أفكار كثير من المنتسبين إليها العاملين في ساحتها؛ تعني: القدرة على المراوغة والمناروة واللف والدوران في المحاورة، وفن صياغة الأجوبة الحمّالة والأفعال الحلزونية التي تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه؛ ولونه وطعمه ورائحته (!) .
هذه السياسة في نظر السلفيين قرين النفاق؛ لأنها تمييع للعقيدة، وتخدير للحسِّ الإسلامي، وقتل للشعور الإيماني، وحلّ لرابطة الولاء والبراء، وخديعة لعامة المسلمين؛ اتخذها فجار الدعاة سلّمًا بدعوى أن يدرأ مظلمة! أو يشفع لمسلم! أو يخفف ضررًا!! أو يزيل منكرًا!!!
ولقد رأينا عامة أولئك يَتَغَيَّرُون ولا يُغَيِّرُون، وأمثلهم طريقة لا يخرج من دوامة السياسة سالمًا لم يظفر من الغنيمة بالإياب.
ولكن هذا لا يعني أن السلفية لا تهتم بأمر المسلمين، ولا تفقه واقعهم، ولا تسعى حثيثًا لاستئناف حياة إسلامية راشدة على منهاج النبوة، ومن ثم تطبيق حكم اللَّه في الأرض؛ ليكون الدين كلّه للَّه لا شريك له، وينشر العدل في البلاد والعباد ... ولذلك جعلت هذا هدفًا من أهدافها تسعى لتحقيقه، وتعمل على بلوغه، وتدعو المسلمين بعامة والدعاة بخاصة أن يشدوا على يديها لتكون كلمتهم واحدة.
وعلى الرغم من ذلك نرى بعض من زبَّب قبل أن يحصرم، وطار قبل أن يريّش، يزعم: أن الدعوة السلفية المعاصرة ليست السياسة من منهجها! والدليل عنده أن استئناف الحياة الإسلامية لم يكن من أهدافها التي اعتادوا إثباتها على الغلاف الأخير من كتبهم!!
إن هذا الوهم يريد أن ينقضَّ وإن حاول صاحبه أن يقيمه؛ ليتخذ عليه درجة عند أقرانه وشيطانه الذي يوحي إليه زخرف القول غرورًا ... ودونك البيان مما ينبغي أن يتصور قبل ذلك، ومعه، وبعده:
1 -أما أولًا؛ فإن اسئناف الحياة الإسلامية على منهاج النبوة، وإنشاء مجتمع رباني، وتطبيق حكم اللَّه في الأرض تطرحه الدعوة السلفية لا رغبة ولا رهبة؛ لأنها دعوة تمتد أصولها إلى الصدر الأول، وتنبع جذورها مما أصّله العلماء الربانيون على مدار القرون؛ فهي امتداد لهم، ومنهجها في التغيير هو منهجهم، فهي تقتدي ولا تبتدي، وتتبع ولا تبتدع؛ فهي -والحال كذلك- على نقيض الدعوات المعاصرة التي تدّعي السبق في كلّ شيء، وكأنها نبتة اجْتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار.
2 -إن الأهداف العامة التي تطرحها الدعوة السلفية هي أهداف كلها تغيير:
فالرجوع بالأمة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة: هو تغيير لواقع الأمة.
وتصفية ما علق بحياة المسلمين من الشرك على اختلاف مظاهره، وتحذيرهم من البدع المنكرة، والأفكار الدخيلة الباطلة، وتنقية السنة من الروايات الضعيفة والموضوعة التي شوهت صفاء الإسلام، وحالت دون تقدم المسلمين: هو تغيير لواقع الأمة.
وإن تربية المسلمين على دينهم الحق، ودعوتهم إلى العمل بأحكامه، والتحلي بفضائله وآدابه مما يكفل لهم رضوان اللَّه في الدنيا والآخرة، ويحقق لهم السعادة والمجد: هو تغيير لواقع الأمة.
وإن إحياء الاجتهاد العلمي الصحيح في ضوء الكتاب والسنة، وتقييد ذلك بقواعد فهم السلف الأول لنزيل الجمود المذهبي، ونقمع التعصب الحزبي، ليعود المسلمون إخوانًا، ويتعاهدوا على نصرة منهج اللَّه أعوانًا: هو تغيير لواقع الأمة.
3 -وأما الذي معه: فإن هذه الأهداف العامة بمجموعها تعني استئناف حياة إسلامية، ولكن على منهاج النبوة، فذكر هذه المسألة لاحقًا هو من باب ذكر الخاص بعد العام.
4 -وأما بعد ذلك: فإن السلفيين يسلكون منهج التغيير القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو قول اللَّه -تعالى-: {إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11] ، فساحة التغيير هي النفس البشرية حتى تستقيم على منهج اللَّه؛ فَتُؤَهَل للاستخلاف.
والتمكين وعد، وتغيير ما في النفوس شرط، ولن يتم الوعد إلا بتحقيق الشرط: {إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7] .
(يُتْبَعُ)