فهرس الكتاب

الصفحة 20264 من 28557

ـ [أبو الفداء] ــــــــ [04 - Oct-2009, صباحًا 10:13] ـ

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،

أما بعد، فقد منّ الله تعالى على بني آدم بأن قال لأبيهم يوم أهبطه وزوجه إلى الأرض: (( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) [البقرة: 38] فجعل الدنيا دار اسختلاف، واختار سبحانه فضلا منه وكرما أن يبتلي فيها عباده بسبيل للنجاة وعلو الدرجات والمنازل في دار القرار في الآخرة، من بلغه فاتبع وخضع علت درجاته ومن بلغه فأبى واستكبر خسئ وارتكس، نسأل الله العافية .. ولكن غلت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة وقالت إن الله يلزمه أن يرسل المرسلين ويبين للناس طريق الصلاح والهداية، وذلك بسبب قولهم في التحسين والتقبيح العقليين، فجعلوا إرسال الرسل واجبا على الله تعالى، وليس كذلك، بل هو فضل من الله ومنة .. (( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) )

وطريقة أهل السنة ألا يوجبوا شيئا على الله إلا بنص. والله تعالى واجب الكمال في كل صفاته بموجب ضرورة العقل، وكما جاء به النص من كون أسمائه هي الحسنى وصفاته هي العلا، سبحانه وتعالى، ولكننا مع ذلك لا نملك أن نوجب عليه فعلا بعينه لم يأتنا منه النص على أنه واجب عليه سبحانه وتعالى، وما ينبغي لنا ذلك!! وليس جهل الجاهل منا أو قصور نظره - بطبيعة خلقه البشرية - بحجة على ما لا نعلم من حكمة الله جل وعلا وعلمه ..

فمطلق الابتلاء بالغيب وإرسال الرسل لتعليم الناس الغاية من خلقهم في الحياة الدنيا هو من تمام حكمة الله جل وعلا من خلق الحياة الدنيا، وهو من فضله ورحمته .. هكذا أراد الله تعالى وهكذا كان .. ولكنه ليس بواجب عليه سبحانه لا بالنقل ولا بالعقل، فلو أنه أراد غيره لنا لما منع ذلك ضرورة من ضرورات العقل قطّ، لا حقيقة معنى الحكمة ولا معنى العدل ولا غير ذلك .. فكيف يقال بأنه واجب عليه؟!

وآية كونه ليس بواجب: وجود ما يصطلح عليه بأهل الفترة، وهم أقوام ولدوا وعاشوا وماتوا على غير الإسلام ولم يسمعوا به قطّ! فلو كان إرسال المرسلين واجبا على الله تعالى حتى يسمع كل البشر حجة الله وتقوم عليهم جميعا في الحياة الدنيا فهؤلاء ما بلغهم شيء من ذلك وما سمعوا شيئا! فلو كان واجبا على الله أن يُسمِع الناس جميعا حتى يتحقق العدل فما جواب المعتزلة - من بعد جوابهم عن ظاهر القرءان إن استطاعوا ذلك - عن وجود أهل الفترة؟ هذا من أظهر ما به نبطل مذهبهم في إيجاب إرسال الرسل! إذ قولهم هذا يلزم منه أن أهل الفترة قد ظُلموا بتخلف بلوغ الرسالة إليهم، وليس كذلك! فقد دل النص على أنهم يُمتحنون في عرصات الآخرة فلا يدخل من يدخل منهم الجنة أو النار إلا وقد ابتُلِي فاختار على علم فاستحق مصيره الأبدي .. ونقول، أولو كان أمر الله في حق أهل الفترة أن يكونوا ترابا يوم القيامة ولا يكون لهم خلود لا في جنة ولا في نار كغيرهم من البشر، أفيظلمهم الله بذلك؟ كلا! بل من فضله ومنته أن جعل لهم سبيلا ليختاروا الهدى من بعد ما يتبين لهم، وليكونوا بذلك من الفائزين، رحمة منه وفضلا، فوفقما يكون اختيارهم - على علم - يكون مصيرهم!

وأما قول المعتزلة بأن الله يجب عليه فعل الأصلح للبشر (وهو أصل قولهم بوجوب إرسال الرسل) فليس بصحيح .. فمعنى الصالح والأصلح إنما مرده إلى علمه هو سبحانه .. فلا نحكم من ذلك إلا على ما نملك العلم اللازم للحكم عليه .. والفلاسفة ومن تبعهم من المعتزلة إنما جاء ضلالهم في هذه المسألة ونحوها من إعطائهم الحق لأنفسهم بالحكم على ما ليس لهم به سلطان من علم ولا دليل! فجاوزوا بذلك حدود النقل والعقل وأتوا من الباطل أشكالا وألوانا والله المستعان ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت