فهرس الكتاب

الصفحة 15667 من 28557

ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [02 - Mar-2009, مساء 10:08] ـ

«نحو ثقافة مغايرة» كتاب سجالي ... المثقف الملتزم كما يراه جابر عصفور

موريس أبو ناضر الحياة - 01/ 03/09//

لا شك في أن للثقافة اليوم بمعناها الواسع رُوادها الطليعيون. وفي مقدم هؤلاء الرسل الكاتب والناقد المصري جابر عصفور. والثقافة كما يمارسها جابر عصفور هي هذا الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والآداب والأخلاق والقانون والعادات، وكل القدرات التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع هو المجتمع العربي.

وتعاطي جابر عصفور مع المفهوم الواسع للثقافة، ووعيه الحاد كمثقف بوجوب الالتزام بقول الحقيقة ونشرها بين الناس. جعلاه يقف على الحد الفاصل بين التقليد والحداثة، بين العلمنة والسلفية، بين القيم المحافظة على الهويات وقيم الحداثة الديموقراطية، من أجل كشف حقيقتها في الواقع، وفي التصور. وما وقفة جابر عند هذه الأصقاع التي هي ثمرة الاستعمار والإمبريالية والتحديث، إلا وقفة الأستاذ الجامعي الذي يعرف مشاكل مجتمعه، ويحسن عرضها ويعتبر نفسه ممثلًا لناسها، في الدفاع عن الحق والعدل والحرية.

وأستاذية عصفور الجامعية ليست من النوع المخملي وإنما من النوع العضوي الفاعل، بحسب تعبير غرامشي، فهي تنحاز الى الشأن العام، وتنحاز الى الحقيقة فتشكّك في تمثيلية السلطات والمؤسسات، وتدخل في تناقض مع بعض وجوه السلطة، وتناوش المؤسسات الدينية التقليدية. وبذلك تغدو الكتابة عنده سلاح في معركة الارتقاء بالمجتمع من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية، ومن مستوى النقل والاتباع والتعصب والتخلّف، والدولة العقائدية الى مستوى العقل والإبداع والحوار والتسامح والتقدم، والدولة المدنية.

ومعركة الارتقاء بالمجتمع كما يردد جابر في كتابه «نحو ثقافة مغايرة» الذي نشرته الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، يخوضها بالسلاح نفسه الذي استعمله فلاسفة التنوير وعلماؤه في القرن الثامن عشر، قرن التحرر العقلي والفكري في أوروبا من رجال الكنيسة وعالم الإقطاع.

سلاح التنويريين الأووروبيين كان الشك في كل شيء (ديكارت وكانط) وإخضاع ما كان مستحيلًا التفكير فيه ليصير ممكنًا التفكير فيه، وخوض معركة الصراحة مع الذات التراثية التي قامت على فكرة «الواجب» أساسًا! أي واجب الإنسان تجاه رجال الدين وتقديم الطاعة والخنوع من دون سؤال ومناقشة. وإذا بفلاسفة التنوير يؤسسون لثقافة جديدة مبنية على فكرة «الحقوق» . أي حقوق الضمير الفردي، وحقوق النقد، وحقوق العقل، وحقوق الإنسان، وحقوق المواطن في العيش.

يستعمل جابر عصفور في معركته مع قوى الظلام والاستبداد، وقوى التعصب والتخلف سلاح فلاسفة التنوير الأوروبي، في إطلاق ثقافة «المغايرة» التي حملها عنوان كتابه. وهو لا يتوانى بروح المثقف الملتزم، أن يطلق الوعي النقدي في مواجهة الوعي الإذعاني يكتب الناقد المصري في هذا السياق: «الوعي المقابل لهذا الوعي الإذعاني هو الوعي النقدي أو النقضي بلا فارق جذري، وهو الوعي الذي يضع كل شيء موضع المساءلة بما في ذلك حضوره الذاتي، فهو وعي تتمرد فيه الأنا الفاعلة على طرائقها الموروثة في المعرفة، سواء معرفة نفسها من حيث هي حضور متعيّن في الوجود، أو معرفة واقعها في علاقتها به» . ويضيف جابر موضحًا، انه من الطبيعي أن ينقض هذا الوعي صفة الإطلاق: اليقين، التسليم، النقل، التقليد، وأن يرفض الإجابات الجاهزة المتكررة، وأن يستبدل بمبدأ الواقع مبدأ الرغبة، وذلك في حيوية استبداله النسبي بالمطلق، والشك باليقين.

إن الوعي النقدي الذي يسعى جابر عصفور لإطلاقه من عُقاله هو الوعي الإذعاني الذي لا يرى من التغيير سوى البِدع المفضية الى الضلالة، وهو الوعي السائد في الفكر العربي. إن محاربة الوعي الإذعاني تبدأ على ما يرى الكاتب المصري من وعي المثقف لخصوصية واقعه، ومن الوعي بشروطه الخاصة، تمهيدًا لابتداع خرائط عقلية جديدة لتغيير هذا الواقع والانطلاق به الى الأمام.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت