فهرس الكتاب

الصفحة 25400 من 28557

آية تلخص الفِكر الحضاري الإسلامي

ـ [أبو القاسم] ــــــــ [28 - May-2010, مساء 09:24] ـ

هذا مقال قديم كنت كتبته ورأيت أن أشارك به مغالبة للمرض فنسخته كما هو عسى أن يكون فيه شيء من الفائدة, والله المستعان

"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ"قال عليه الصلاة والسلام"أعطيتُ جوامع الكلم" (1) فإذا كان الكلام النبوي بهذه المثابة من اكتناز المعاني الجليلة في المباني القليلة فكلام الله تعالى أجدر أن يكون حقيقًا بهذا الوصف (2) إذ الفرق بين كلامه وكلام المخلوق كالفرق بين ذاته سبحانه وذات المخلوق وقد تدبّرت في آية الحديد هذه فإذا هي تجمع في طواياها مختصرًا شريفًا لحقيقة الفِكر الإسلامي في بعده الحضاري والثقافي والعملي وتقدمه في أبهى حلّة فكانت جديرة أن تخص بمقال لا على سبيل الإحاطة بل على سبيل الإجمال إذ القرآن بحر لا ساحلَ له , لا تنقضي عجائبه ولا يَخلَق عن كثرة الترديد وأيما سورة في القرآن كالقصر المنيف إذا نظرت إليه جملةً أَسَركْ وإذا رحت تجول في آحاد غرفِه أخذت لبّك بين جلال المنظر وجماله فذلك قوله"كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير". ولله المثل الأعلى.

-أول ملحظ أن الله تعالى يؤكد باللام الموطئة للقسم الداخلة على"قد"التحقيقية قضية أن هذا الدين مبني على براهين سماها هنا"بِالْبَيِّنَاتِ"فهو دين قوته مودعةٌ فيه، تبقى جذوته حية وإن مرض المنتسبون إليه في حين فمن معين الكتاب والسنة تفجّر أنهار الحقائق التي تجرف قدّامها كل شبهة للإيضاع فيه بحيث لا يملك المنصف إزاءها إلا إعلان استسلامه"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق", ولولا أن قوته ذاتية لكان ما يكال له من مؤامرات جهنمية كفيلا أن يكون المسلمون الآن كالديناصورات في عداد المنقرِضات, ولكان ما يناله من تشويه منظم وحصار منهجي ومحاولات دؤوبة لتجفيف منابعه أو تبخير آثاره من عروق عامة المسلمين سببا كافيا جدا لاجتثاثه من الوجود في الحساب العقلي لطبائع الأشياء.

-وهو فوق هذا دين ينسجم في تعليماته مع حركة الكون فالله تعالى أقام صرح السماوات والأرض على العدل كما أقام منهجه الرباني على القسط"وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ"قال الحافظ ابن كثير: ("والميزان"وهو العدل قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة كما قال تعالى"أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه"وقال تعالى"فطرة الله التي فطر الناس عليها") .اهـ

وهذا التناغم مكرور في مواضع كقوله سبحانه"والسماء رفعها ووضع الميزان", وتدبر كيف عطف الميزان على الكتاب وإن كان العدل من مقتضى العمل بالكتاب إمعانًا في بيان أهم ركيزة في ديمومة الحضارات , كأن الناس إن لم تقم بالقسط رجّحت كفّة عدوها الذي ينازعها فطاشت من كفة الميزان الأخرى إذا كان هذا العدو مقيما للقسط في رعاياه كما أن في إفراده بالذكر تضمينًا لقيام آيات الله المنظورة على الميزان أيضا سواء بسواء كالآيات المسطورة"وأنبتنا فيها من كل شيء موزون"وفي الجمع بين الكتاب والميزان ملمح آخر مهم فما جاء به الرسول من ربه يدور رحاه بين الأخبار الصادقة ويدل عليها لفظ"الكتاب"وبين الأوامر الشرعية العادلة ويدل عليها"الميزان"وهو نظير قوله تعالى"وتمّت كلمة ربك صدقًا وعدلًا"أي صدقا في الأخبار عدلا في الأحكام

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت