فهرس الكتاب

الصفحة 18934 من 28557

"أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة"2

ـ [خالد عبد المعطى كروم] ــــــــ [07 - Jul-2009, صباحًا 05:53] ـ

سادسًا: فهمُ العربيةِ ومعرفةُ أساليبِها:

(امتازَ التأليفُ في العُصُورِ الأُولى بقوةِ الأسلوبِ وفُحُولةِ المعاني وجَزَالةِ الألفاظِ وإشراق الدِّيباجةِ والتزام أساليب العربِ ومذاهبهم في البيان) 26 فدعتِ الحاجةُ لدارسِ السِّيرة إلى حُسنِ فهمِ العربيةِ وأساليبِها؛ ليحسن التعامل مع رواياتِ السِّيرة؛ إذِ المطلوبُ في فهمِها والاستنباط منها أنْ يتمَّ وفقَ قواعد العربيةِ وأساليبِها دُونَ تعسفٍ أو تمحُّلٍ في التفسيرِ 27.

سابعًا: الالتزام بالمصطلحات الشرعية:

قَسَّمَ اللهُ -تبارك وتعالى- النَّاسَ ثلاثةَ أقسامٍ: مؤمنًا، وكافرًا، ومنافقًا كما في صدر سورة البقرة, وجعلهم حزبينِ: أولياء الرَّحمن، وأولياء الشَّيطان، فالواجبُ الالتزام بهذه التسميات، وعدمُ العدولِ عنها إلى مثل: يميني، يساري 28، ليبرالي ... إلا عند الحاجةِ للتعريف باتجاهاتِ بعض الأفراد الذين يترتب على معرفةِ ذلك منهم مصلحةٌ، مع الحرص على التحديدِ ما أمكن. وفائدةُ التحديدِ في تقليلِ التمييعِ والتضليلِ الذي يسعى إليه المُفسدون وأشياعُهم؛ حيث يحرصُون على التعميةِ وتجاهلِ الأسماءِ الشَّرعيةِ التي يترتبُ عليها أحكامٌ، وتستلزم ولاءً أو براءً.

ثامنًا: صدق العاطفة:

من أُسسِ الكتابة في السِّيرة ودراستها توفرُ المحبةِ الصادقةِ لصاحبِها -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- والعاطفة الحية التي تُشعِرُ بمدى الارتباطِ الحقيقيِّ قَلْبًا وقَالبًا، والتفاعل الحقيقي مع أحداث سيرته29.

ولقد عبَّر الشيخُ محمد الغزالي عن عاطفتِهِ الجيَّاشة, فقالَ في مُقَدِّمَة"فقه السِّيرة"30: (إنني أكتبُ في السِّيرة كما يكتبُ جنديٌّ عن قائدِهِ، أو تابعٌ عن سيدِهِ، أو تلميذٌ عن أستاذِهِ، ولستُ- كما قلتُ- مُؤرِّخًا مُحايدًا مبتوتَ الصِّلةِ بمن يكتبُ عنه) . ودِراسةُ السِّيرة تعبُّدًا للهِ وتقربًا إليه تُنمِّي ذلكَ الحُبَّ، وتسقي تلك العاطفةَ.

تاسعًا: الوفاء بحقوق المصطفى -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- دون غُلوٍّ ولا جفاء:

ينأى عن سنةِ النَّبيّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- ومنهج سَلَفِ الأمةِ في دراسة السِّيرة فريقان 31:

1 -قومٌ قصَّرُوا في حقِّ النَّبيّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- وما يجبُ له من الإجلالِ والتَّوقيرِ والتعظيمِ، فدرسوا سيرتَهُ كما يدرسون سائرَ الشَّخصياتِ الأُخرى، فنظرُوا لجوانبِ العظمةِ البشريةِ والقيادةِ والعبقريةِ والبُطولةِ والملك والإصلاحِ الاجتماعيِّ، مُغفلينَ الجانبَ الأعلى في حياتِهِ، وهو تشرفه بوحي اللهِ- عَزَّ وجَلَّ- وختم النبوةِ والرِّسالةِ. ولهؤلاء يحسنُ سياقُ خبرِ أبي سُفيان يومَ فتحِ مكَّةَ؛ حيثُ قالَ للعبَّاسِ لمَّا رأى كتائبَ الصَّحابة -رضي الله عنهم-: واللهِ, لقد أصبحَ مُلكُ ابنِ أخيكَ اليومَ لعظيمًا، فقال العبَّاسُ: ويحك يا أبا سفيان، إنَّها النُّبوةُ، قال: فنعم إذا 32.

2 -وآخرون بالغُوا في التعظيمِ وغلوا في منزلةِ الرَّسُول - صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-، فلم يَرُقْ لهم وصفُهُ بالبشريةِ، بلْ رُبَّما خَطَرَ لبعضِهم أنَّهُ ضَرْبٌ من الجفاءِ! مع أنَّ كونَهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- بَشَرًا عبدًا لله -عَزَّ و جَلَّ- من مُسلَّماتِ العقيدةِ، وخِلافُهُ ضَرْبٌ من الضَّلالِ؛ فقدْ قالَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-: (لا تُطروني كما أطرتِ النَّصارى ابنَ مريمَ؛ فإنَّما أنا عبدٌ، فقُولُوا: عبدُ اللهِ ورسولُهُ) 33.

فالحقُّ وَسَطٌ بينَ الطَّرفينِ؛ ولدراسةِ السِّيرة انطلاقًا من ذلك أثرٌ كبيرٌ في العقيدةِ والعبادةِ والسُّلوكِ والدَّعوةِ والتَّأسِّي والاقتداء.

عاشرًا: تحديد هدف الكتابة والشريحة المخاطبة بها:

على كاتب السِّيرة معرفةُ الشَّريحةِ المرادِ مخاطبتُها، وفهمُ الأسلوبِ المناسبِ الذي تُؤدَّى به. وعليه كذلكَ أنْ يُعيِّنَ غرضَهُ من الكتابةِ، وماذا يُريد مِن: معالجةٍ جديدةٍ، أو طرحٍ للأحداثِ بأسلوبٍ جديدٍ، أو تعليلٍ لقضايا منغلقةٍ، أو تركيزٍ على أحداثٍ أغفلَها الكُتَّابُ 34.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت