فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [25 - May-2010, مساء 06:59] ـ
آفات النفوس والأحداث
د. عبدالعزيز العبداللطيف
9/ 6/1431 هـ
آفات النفوس ودسائسها لا حصر لها، وما يعتري النفوس البشرية من اعوجاج وتلوُّن واضطراب يتعذر استيعابه، وكما قال أحد الشيوخ لابن القيم: «آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر؛ فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها، والاشتغال بقتلها انقطع، ولم يمكنه السفر قط، وَلْتكن همتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امضِ على سيرك» (1) .
ولزوم السنة اعتقادًا وحالًا يهذِّب النفوس، ويحقق استقرارها، ويستلزم حياة طيبة، ويورث ثباتًا وطمأنينة، فلا ترى في هذه النفوس المطمئنة عِوَجًا، ولا تلحظ تناقضًا أو تحولًا، بل هي في منأى عن الإفراط والتفريط، وعافيةٍ من غوائل التقصير والغلو.
وسلفنا الصالح لَمَّا حذروا من الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى - فلأجل ما يقتضيه من تشريع دينٍ لم يأذن به الله - تعالى - وما تخلِّفه البدع من اندراس السنن، ووقوع العداوة والبغضاء، وحرمان التوبة، والتعرُّض للعقاب والوعيد.
كما أنهم على دراية بأهواء النفوس، وطبائعها وحظوظها، وما يكتنف هذه النفوسَ من آفات وعلل؛ إذ يكشف الابتداع عن نفوس معتلَّة، تقارف تنصُّلًا عن لزوم الصراط المستقيم، وتعاني اضطرابًا وتناقضًا، واندفاعًا جامحًا ونشاطًا محمومًا في سبيل الابتداع في الدين، ومضاهاة الشرع المنزَّل، إضافة إلى ما تكابده هذه النفوس من تناقض بين التنظير والتأصيل وبين التطبيق والتنفيذ.
فالتفلت من لزوم الشرع: هو من خبايا النفوس الملتوية وآفاتِ أرباب البدع، ويقترن بهذا الروغان عن السُّنة اجتهادٌ ظاهر، وجَلَدٌ متواصل في التشبث بالبدع وإذكائها.
وهذا ما جاء في الحديث الصحيح بشأن الخوارج: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ... » (2) .
وأشار الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - إلى هذا «النشاط البدعي» بقوله: «اقتصاد في سُنة خير من اجتهاد في بدعة» (3) .
فنفوس أهل الأهواء يعتريها الكسل والعزوف عن اتباع الشرع، لكنها سرعان ما تنشط وتندفع في مقارفة البدع، بكل شوق واستمتاع!
ولَمَّا قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أَنسيتَ قوله - تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 39] (4) ؟
وكَشَف أبو الوفاء ابن عقيل هذه الدسيسة النفسانية بقوله: «لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاعٍ وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع، مثل: تعظيم القبور ... » (5) .
وأما الإمام الشاطبي فله معرفة متينة بآفات نفوس المبتدعة وحظوظها، وقد أفصح عن ذلك بتحقيقٍ وتحريرٍ، فكان مما قاله - رحمه الله: «إن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، وصادٌّ عن سبيل الشهوات؛ لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع. ومن الدليل على ذلك ما قاله الأوزاعي: «بلغني أن من ابتدع بدعةً خلاَّه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء، لكي يصطاد به» ، وقال بعض الصحابة: «أشد الناس عبادةً مفتونٌ» ويحقق ما قاله الواقع، كما نُقل عن الخوارج وغيرهم؛ فالمبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيمَ والجاهَ والمالَ؛ وما ذاك إلا لخفَّةٍ يجدونها في ذلك الالتزام، ونشاطٍ يُداخلهم، يستسهلون به الصعب بسبب ما داخل النفس من الهوى» (6) .
(يُتْبَعُ)