ـ [مكاوي] ــــــــ [10 - Feb-2010, مساء 11:55] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد، فهذا مقال لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر حفظه الله تعالى بعنوان:
(( دعاة التغريب ومصطلحهم (( التعددية ) )و (( الأحادية ) )لانتقاء ما يوافق أهواءهم )) وهذا نصه
الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن شأن الفتوى والكلام في الحلال والحرام عظيم وأمره خطير لما فيه من نسبة الأحكام إلى شرع الله، ولاسيما إذا كان عن غير علم؛ كما قال الله عز وجل:"قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ"وقد أصبحت الفتوى والكلام في الأحكام الشرعية في هذا الزمان مهيعًا لكل أحد، يتسلق جدرانه كل من هب ودب دون الرجوع إلى أهل العلم والفقه في الدين، حتى إن دعاة التغريب ومتبعي الأهواء والشهوات في بلاد الحرمين يصولون ويجولون ويتشدقون في مسائل العلم الشرعي دون حياء ولا مبالاة، بل وفقًا لأهوائهم وشهواتهم، وإذا كان في المسألة خلاف ولو كان شاذًا طاروا به وانتقدوا غيره ولو كان الدليل فيه من أوضح الواضحات، ويصفون ذلك بالتعددية، ويقولون: إن الأخذ بأي قول من المسائل المختلف فيها سائغ ــ وإن لم يكن لذلك القول حظ من الدليل والنظر ــ لأن التعويل عندهم على انتقاء ما ترتضيه أهواؤهم وشهواتهم، ويصفون الأقوال الصحيحة التي لا تناسب أهواءهم (( بالأحادية ) )منكرين لها، ومن عباراتهم في الإنكار لما يؤيده الدليل وصف ذلك بأنه (( احتكار للصواب ) )وأنه (( وجهة نظر ) )وأنه (( الرأي الأوحد ) )وأن فيه (( مصادرة الأقوال الأخرى ) )، وسمعت في الإذاعة أستاذًا للصحافة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة يحاوره أحد المذيعين يقول: إن الأحادية ولت إلى غير رجعة! والعجيب أن الكلام في المسائل الشرعية لا يُرجع فيه إلى أهل الاختصاص به، وكأن القول فيه مشاع لكل أحد، وهذا بخلاف الأمور الأخرى كالطب والهندسة وغيرهما، فإنه لا يصار فيها إلا إلى أهل الاختصاص دون غيرهم من المتطببين ونحوهم، وهذا الذي يتسارع إلى الكلام فيه من ليس من أهله فضلًا عن أهله قد جاء عن بعض السلف الإحجام عنه وذم المسارعة إلى الفتوى، ومن ذلك قول عبد الرحمن بن أبي ليلى: (( أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله يُسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، ما منهم من أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا ) )، وقال عثمان بن عاصم أبو حَصين الأسدي: (( إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر ) )، وكان مالك يقول: (( من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة؟! ) )، ذكر هذه النقول عنهم ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد (3/ 275) ، بل جاء عن بعض السلف التحذير من الكلام في الأحكام الشرعية بغير علم والذم الشديد لمن حصل منه ذلك، قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (4/ 217) : (( من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقرّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا، قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعيّن على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنّة ولم يتفقه في الدين؟! وكان شيخنا رضي الله عنه ـ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ـ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعلت محتسبًا على الفتوى؟! فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟! ) )، وقال أيضًا (4/ 207) : (( رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي مَن
(يُتْبَعُ)