لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال: ولَبعضُ مَن يفتي ههنا أحق بالسجن من السرَّاق، قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها ومَدَّ باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة؟! وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنَّة وآثار السلف نصيب! ))
ولا شك أن التغريبيين والصحفيين المتكلفين الكلام في الشرع بدون علم داخلون دخولًا أوليًا تحت هذا الكلام الذي جاء عن بعض السلف، وأن الواجب عليهم البعد عن ذلك والسلامة منه، وأن الواجب على ولاة الأمر منعهم من ذلك.
وأعود إلى الكلام مع المؤيدين لما سموه بـ (( التعددية ) )المنكرين لما سموه بـ (( الأحادية ) )الذين لا يعتبرون المعروف إلا ما أُجمع على أنه معروف ولا المنكر إلا ما أُجمع على أنه منكر، مع أن تتبع رخص العلماء وانتقاء ما يوافق الأهواء والشهوات منها مما أُجمع على أنه منكر، فقد روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 91) عن سليمان التيمي أنه قال: (( إذا أخذتَ برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ) )، ثم قال ابن عبد البر: (( هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا ) )، ومن أمثلة انتقائهم ما تشتهيه نفوسهم قول بعضهم: إن كشف وجه المرأة جائز، وإن حضور صلاة الجماعة في المساجد ليس بلازم، وإن في إغلاق الحوانيت لأداء صلاة الجماعة شلًا للحركة الاقتصادية، وذلك تقديم لتجارة الدنيا على تجارة الآخرة، فينتقون ما يريدون بدعوى أن في ذلك خلافًا، والواجب عند الخلاف التعويل على ما يؤيده الدليل لا الأخذ بما تشتهي النفوس وتميل إليه، وقد قال الشافعي كما في كتاب الروح (ص 395) وإعلام الموقعين (2/ 263) لابن القيم: (( أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد ) )، وقال ابن خزيمة رحمه الله كما في الفتح (3/ 95) : (( ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها ) )، ومما جاء عن العلماء في التحذير من تتبع الرخص وذم انتقاء ما تشتهيه النفوس من الأقوال ما رواه البيهقي في سننه الكبرى (10/ 211) بإسناد حسن عن الأوزاعي رحمه الله قال: (( من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام ) )، وروى أيضًا بإسناد صحيح عن إسماعيل القاضي أنه قال: (( دخلت على المعتضد فدفع إليَّ كتابًا نظرت فيه، وكان قد جُمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كلٌّ منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين! مصنف هذا الكتاب زنديق! فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رُويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلّة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأُحرق ذلك الكتاب ) )، وقال الخطابي رحمه الله في شرحه صحيح البخاري (3/ 2091) : (( وقال قائل: إن الناس لما اختلفوا في الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب واختلفوا فيما سواه، لزمنا ما أجمعوا على تحريمه وأبحنا ما سواه، وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فكل مختلف فيه من الأشربة مردود إلى تحريم الله وتحريم رسوله الخمر، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: كل شراب أسكر فهو حرام، فأشار إلى الجنس بالاسم العام والنعت الخاص الذي هو علّة الحكم، فكان ذلك حجة على المختلفين ) )إلى أن قال: (( وليس الاختلاف حجة، وبيان السّنّة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين ) )، يشير الخطابي بكلامه هذا إلى قول بعض فقهاء الكوفة: إن الخمر من العنب يحرم كثيره وقليله، وإن ما كان من غير العنب يحرم منه الكثير المسكر ولا يحرم منه القليل الذي لا يسكر، وهو تفريق باطل يرده عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) )رواه أبو داود (3681) وغيره بإسناد حسن، وقال ابن الصلاح رحمه الله في فتاويه (ص:300) : (( مع أنه ليس كل خلاف يُستروح إليه ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد ) )وعزاه إليه ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 228) ، وقد قال الشاعر:
وليس كل خلاف جاء معتبرا
إلا خلاف له حظ من النظر
(يُتْبَعُ)