ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [10 - May-2008, مساء 04:08] ـ
المقاومة .. واجب وواقع
د. طارق عبد الحليم
حين نردّ كلمة المقاومة إلى أصولها العربية، نجد أنّها مصدرية من مشتقات قَوَمَ، يقال: ما زلت أقاوم فلانًا في هذا الأمر أي أنازله.
ومادة الكلمة تتعلق كلها بالقيام أي الوقوف، والتقويم أي جعل الأمر مستقيما ورده إلى الصواب. فيمكن أن نعرّف المقاومة بأنها:"القيام في وجه الباطل لتقويمه وردّ الأمر إلى الصواب". ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّ من معاني المقاومة"الصبر على الأمر حتى إنقضائه"، قال ابن الأثير: قاومه أي فاعله من القيام أي إذا قام معه ليقضى حاجته صبر عليه إلى أن يقضيها. وهذا ما يجب أن يضاف إلى التعريف السابق بأن المقاومة هي"القيام في وجه الباطل لتقويمه وردّ الأمر إلى الصواب والصبر على ذلك حتى تمامه". كذلك، فإن المصدر اللغوي لم يتعرض لطريقة الوقوف في وجه الباطل، مما يجعل المقاومة حرة طليقة في استخدام الأسلوب الأمثل لتغيير الواقع المبطل وردّه إلى الصواب.
وكلمة المقاومة لم تأت في القرآن الكريم، وكذلك لم تأت في الحديث الشريف - على ما أعلم - وإنما جاءت مرات معدودة في سياق حديث بن حجر على قتال المسلم المنفرد لأكثر من واحد من الكفار. فهذا الاستخدام للكلمة مُحدثُ بمعنى من المعاني إذ لم يطلقه السلف على المقاومة المسلحة للعدو الغازي، بل كان المصطلح عليه هو"دفع الصائل"أي المعتدى.
ولكن هذا الاستحداث لا يقلل من شأن المصطلح إذ هو يرتكن على مورد عربي صحيح كما ذكرنا من قبل. وقد دخل في المصطلح القرآني تحت مفهوم"الجهاد"الذي هو بذل الجهد يعنى للتخلص من الباطل وإحقاق الحق، سواء في ذلك بدفع الصائل"جهاد الدفع"أو بنشر كلمة الحق"جهاد الطلب".
والوقوف في وجه الباطل، سواءًً كان عدوانًا خارجيًا أو تسلطًا داخليًا أمر مطلوب شرعًا لا جدال في ذلك، إلا أنّ تلك المقاومة تأخذ أشكالًا متعددة طبقا للواقع المبطل، من ناحية، وتبعا لقدرات الواقع الإسلاميّ على المقاومة من ناحية أخرى. وتأتي هذه المقاومة في الشريعة تحت أبواب عدة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والجهاد ودفع الصائل، فكلها طرق تؤدى إلى اصلاح الواقع وتقويمه، ويبقى أن يُنَزّل الحكم على الواقع الحالّ لمعرفة أفضل الطرق إلى المقاومة، مما يضمن فاعليتها واستمراريتها على السواء.
وما يهمنا في هذا المقال هو الحديث عن المقاومة التي فُرضت على ديار الإسلام المحتلّة وعلى كلّ مسلم يمكنه المشاركة فيها بأي شكل من أشكالها. فإن الاحتلال الصليبيّ للعراق وأفغانستان لم يُقصد به العراق وأفغانستان وحدهما بل هو السندان الذي يكمل مطرقة الكيان الصهيوني المحتلّ في فلسطين، فيقع المسلمون بذلك بين مطرقة اليهود وسندان النصارى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمقاومة بكلّ أشكالها واجب محتوم وقدر مرسوم لا فكاك منه، فالخيار العسكري ضرورة حين القدرة عليه، قال تعالى:"انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم"التوبة 9. فالمقاومة كذلك شرع محكم في الإسلام وإن جرّت ما تجرّ الحرب على أبنائها من أهوال وخسائر وقد قال أمير الشعراء شوقي:
الحرب في حقّ لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواءُ
والشرّ لا يندفع إلا بالقوة وأهله لا يرتدعون إلا بها، كما قال شوقي:
والشرّ إن تلقَه بالخير ضقت به ذرعا وإن تلقه بالشرّ ينحسمِ
فلابد من خوض خيار المقاومة المسلحة ضد المحتلّ وهو ديدن البشر منذ أول الزمان، أن يبغي القوى على الضعيف، فيثور الضعيف على القوى ولا يزال الصراع قائما حتى ينتصر أحد الفريقين، إما أن يستسلم الضعيف فينمحي من على وجه الأرض وتتبدل ثقافته ووجوده كله بثقافة المعتدى ووجوده، ويصبح خبرا بعد عين تتحاكى به الأمم التالية في أخبار التاريخ، وإما أن يستسلم القوى لإصرار المقاومة وثباتها، فيخرج جارًّا لذيول الخيبة وتكون حربه عليه حسرة، ويستبدل الضعيف قوة بعد ضعفًا وتبقى ثقافته وحضارته تكافح على وجه الأرض، وهكذا حديث الدنيا وتداول الأيام.
(يُتْبَعُ)