فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [صالح الجبرين] ــــــــ [21 - Sep-2010, صباحًا 02:18] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاةُ والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وبعد:
فهذا بحثٌ مختصر متواضع، بيَّنتُ فيه مذهب ابن تيمية في الحقيقة والمجاز، ثم ناقشتهُ وبيَّنتُ الذي أعتقد أنَّه الصواب والذي عليه جمهور الأئمة سلفًا وخلفًا، وليتنبَّه القارئ الكريم على أنَّ هذه المسألة ليست مِن أصول الدين ولا يترتب على المخالفة فيها قدحٌ في الدين أو العدالة، فلهذا ناقشتُ الإمامَ ابن تيمية مع الاحتفاظ بمكانته وجاهه، والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبي ونعم الوكيل.
فصلٌ: مقدمةٌ في معنى الحقيقة والمجاز عند أهلِ اللغة:
الحقيقةُ كما عرَّفها الجرجاني بقوله: (كلُّ كلمةٍ أُريدَ بها ما وقعَت له في وضعِ واضعٍ - وإن شئتَ قلتَ: في مواضعةٍ - وقوعًا لا تَستَنِدُ فيهِ إلى غيرِهِ فهي حقيقةٌ) أهـ. انظر كتاب"أسرار البلاغة"للجرجاني (ص350) .
والمجاز: (كل كلمةٍ أُريدَ بها غيرُ ما وقعَت له في وضع واضعها، لملاحظةٍ بينَ الثاني والأوَّل فهي مجاز) أيضًا انظر"أسرار البلاغة"للجرجاني (ص351) .
أمَّا حقيقةُ المجاز وسببُ تسميتِهِ، فقد قالَ الجرجاني: ("المجازُ"مَفعلٌ مِن جازَ الشيءُ يَجوزُهُ، إذا تعدَّاهُ. وإذا عُدِلَ باللفظِ عمَّا يُوجِبُهُ أصل اللغة، وصِفَ بأنَّهُ مجاز، على معنى أنَّهم جازوا بهِ موضعهُ الأصلي، أو جازَ هو مكانه الذي وُضِعَ فيه أولًا) أهـ. انظر كذلك"أسرار البلاغة"للجرجاني (ص395) .
والمجاز ينقسِمُ إلى أقسامٍ كثيرة أطال فيها أهل اللغة، وقد آثرتُ الاختصار في ذكرها، مراعاةً لأصل هذا البحث، فأقول وبالله التوفيق:
* فمِن أقسامِ المجاز:
(1) الاستعارة: وهي استعمالُ الكلمةِ مكان الكلمة الأصلية، فيكونُ كالعاريَّة، نحو قول العرب للمطرِ: سماءٌ، لأنَّهُ مِن السماء يَنزِلُ، قال الشاعر:
إذا سقَطَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... رعيناهُ وإن كانوا غِضَابًا
(2) المقلوب: القلبُ هو وصفُ الشيء بضدِّ صفتهِ، لأسبابٍ منها: التطير والتفاؤل، أو للمبالغةِ في الوصف، أو للاستهزاء ..
مثالُ التطير والتفاؤل: قولهم للَّديغِ:"سليمٌ"تطيُّرًا مِن السُّقم وتفاؤلًا بالسلامَة.
ومثالُ المبالغةِ في الوصف: قولهم للغراب:"أعور"لحدَّة بصرهِ.
ومثالُ الاستهزاء: قولهم للحبشي:"أبو البيضاء". ومِن هذا قولُ قوم شعيب: {إنَّك لأنتَ الحليمُ الرَّشيد} ، كما تقولُ للرجل تستجهلهُ: يا عاقل، وتستخِفُّهُ: يا حليم.
(3) الحذفُ والاختصار: منهُ أن تحذفَ المُضافَ وتُقيمَ المُضافَ إليهِ مقامَهُ وتجعَل الفِعلَ لهُ، كقولهِ تعالى: {وسئل القريةَ التي كُنَّا فيها} أي: سل أهلها. ومثل قوله تعالى: {بل مَكرُ الليلِ والنهار} أي: مَكركم في الليل والنهار.
ومنهُ أن تُوقِعَ الفِعلَ على شيئينِ وهوَ لأحدِهِمَا، وتضمر للآخرِ فِعلَهُ، مثلهُ قوله تعالى: {فأجمِعُوا أمركم وشركاءكم} أي: وادعوا شركائكم.
ومِنهُ أن يأتيَ بالكلامِ مَبنيًّا على أنَّ له جوابًا، فيُحذَفُ الجوابُ اختصارًا لعِلمِ المُخاطَب به، كقوله سبحانهُ: {ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتهُ وأنَّ الله رءوفٌ رحيم} أرادَ: لعذَّبَكُم فحُذِفَ.
الخلاصة: أنَّ كلَّ هذهِ مِن أقسامِ المجاز وأنواعِه، وهناك أيضًا غيرها، ولكنني اقتصرتُ على المذكور مخافَةَ السآمَة، علمًا بأنَّني اختصرتها مِن كتاب"تأويل مُشكِل القرآن"لابن قتيبة رحمه الله، فقد قال في بداية الكتاب: (وللعربِ المجازاتُ في الكلام، ومعناها: طُرُقُ القولِ ومآخِذُهُ، ففيها: الاستعارةُ، والتمثيلُ، والقلبُ، والتقديمُ، والتأخيرُ، والحذفُ، والتكرارُ، والإخفاءُ، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبةُ الواحِد مُخاطبة الجميع، والجميعُ خطاب الواحد، والواحِد والجميع خطاب الاثنين، والقصدُ بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، مع أشياء كثيرة، ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى ... ) انظر"إعراب مُشكِل القرآن"لابن قتيبة
(يُتْبَعُ)