ـ [زياني] ــــــــ [15 - Mar-2010, مساء 01:26] ـ
بسم الله وبعد:
فهذا مبحث جليلٌ في مسألة إثبات مقام وجلوس نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة مع ربه جل في علاه، فقد ثبت عنه كما في حديث الشفاعة قال:"فأنتهي إلى ربي، وهو على كرسيه أو سريره، [فيتجلى لي] فأخر له ساجدا فأحمده بمحامد لم يحمده أحد بها قبلي، ولا يحمده بها أحد بعدي فيقال لي: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع"، وثبت من طرق أخرى متواترةٍ وكثيرةٍ أنه عليه السلام إذا وصل إلى كرسي الرب رفعه الله إليه ـ كما رفعه في المعراج ـ، لكن يوم القيامة يُجلسه معه على كرسيِّه مِنْ عَلَى يمين العرش تكْرُمةً له، وإظهارًا لفضله، ومن ثَم يشفعُ للأمةِ بأبي هو وأمي رسول الله، وقد قسمتُ هذا البحث إلى سة فصول:
الفصل الأول: وجه التوافق بين كون المقام المحمود هو الشفاعة وهو نفسُهُ الجلوس على يمين العرش مع الرب لأجل الشفاعة.
الفصل الثاني: ذكر الأدلة على ذلك من القرآن والسنة: وهي كثيرة بل متواترة:
الفصل الثالث: ذكر الأدلة على تصحيح حديث القعود من الإجماعِ، والإنكارُ على المُخالف: وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تصريح بعض السلف بصحة بعض الأحاديث فقط، مع التَّضعيفِ لغَيرها:
المسألة الثانية: تصريح بعض السلف بصحة الأحاديث جملةً، أو بصحة حديث معين من غير تضعيفٍ لغيره، والبيان على أن الأمة قد تلقت حديث القعود بالقبول:
الفصل الرابع: ذكر أدلة القعود من المعقول مما يوافق المنقول:
الفصل الخامس: ذكر إجماع وكلام العلماء في حكم من رد فضيلة القعود على العرش:
الفصل السادس: ذكر كلام بعض من خالف السلف والإجماعَ وتوجيهُ قولِه.
الفصل الأول: وجه التوافق بين كون المقام المحمود هو الشفاعة وهو نفسُهُ الجلوس على يمين العرش مع الرب لأجل الشفاعة: ذلك أنّه مما ينبغي معرفته في هذا الباب أنْ لا تعارض بين قول من جعل المقام المحمود هو الشفاعة بمختلف مقاماتها، وبين من جعله جلوسه عليه السلام على العرش مع ربه لأجل الشفاعة، لأنَّ هذا الجلوسَ من أشرفِ مقاماتِ الشفاعةِ، حيث يشفع لأمته إذا أقعده ربه معه، فقد ذكر الطبري أن هذا الجمع:"ليس بمحال عند جميع من ينتحل الإسلام"، وقال ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات:".. على أَنَّهُ لا يمتنع أَنْ يَكُونَ المقامُ المحمودُ: الشفاعةُ والقعودُ عَلَى العرش، لأَنَّ القصد من ذلك علوّ المنزلة"، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم:"والظاهر أَن لا منافاة بين القولين، فيمكن الجمع بينهما بأَن كلاهما من ذلك، والإِقعاد على العرش أَبلغ"، علَى أن من ذكر بأن المقام المحمود هو الشفاعة، فإنه لم ينف الجلوس على العرش لأنه أخصُّ وأرفعُ مقاماتِ الشفاعة المتعدِّدة، وسيأتي ذكرُ أدلةٍ كثيرةٍ على ذلك من السنة ومن كلام السلف الطيب، علمًا أنّي اعتمدت في هذا البحث على كتاب السنة للخلال، فإنه أشبعها في نحو مجلدٍ كامل،
الفصل الثاني: ذكر الأدلة على ذلك من القرآن والسنة: وهي كثيرة بل ومتواترةٌ، جمعتُ منها نحوًا من اثني عشر دليلا، وكل دليل له طرق كثيرة كما سيأتي، وما كان فيها من ضعيفٍ ضعفًا شديدا إلا بيَّنته، وهو حديث مرسل المكيين فقط، وأحد طرق حديث ابن عباس، أما سائر الأحاديث والطرق فهي إما صحيحة أو حسنة قدْ بينتُ وجه حُسنها، وما كان فيها من ضعيفٍ ضعفا يسيرا فقد ذكرت وجه ضعفه، ومن ثَم حسنه لغيره، لكون الإسناد لا يوجد فيه من هو متهم أو كذاب، ثمّ أوردت له متابعاتٍ يتقوى بها، من نفس طريق ذلك الصحابي، ثم عزّزت صحته بشواهد أخرى عن صحابة آخرين، فقد قال الترمذي عن تعريف الحديث الحسن:"إنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كلُّ حديث يُروَى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا ويُروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا حديث حسن"، هذا وقد ذكر ابن القطان وعامة أهل الحديث أن تلقي الأمة للحديث بالقبول مما يُحسنه ويجعله صحيحا، وقال الخطيب في الكفاية ص 17:"وقد يستدل أيضا على صحته ـ الحديث ـ بأن يكون خبرا عن أمر اقتضاه نص القرآن أو السنة المتواترة، أو اجتمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته الكافة بالقبول وعملت بموجبه لأجله"، وحديث القعود على العرش قد توفرت فيه كل شروط الحسن والصحيح بدءًا من كثرة
(يُتْبَعُ)