فهرس الكتاب

الصفحة 13129 من 28557

حذاء بمليون دولار!!! بقلم الكاتب الكبير: فتى الأدغال

ـ [محب الأدب] ــــــــ [18 - Dec-2008, مساء 10:26] ـ

أذكرُ وجهك جيّدًا على الرغم من مسافاتِ التيهِ والشتاتِ .. فبغداد الرشيد لم تعد رشيدة .. أثخنتها الجراح .. وهدتها الجنازير .. مواطئ أقدام الإمام أحمد بن حنبل محتها بساطير المارينز .. ومتكأ الفقيه إبراهيم الحربي أضحى ثكنة عسكرية .. ومعتكف الزاهد بشر الحافي غدا حانة .. ومكتبة الخليفة المأمون باتت مأوى لكل ثمل عربيد من جنود إبليس .. وأنت كما أنتَ .. لم تمحُ رسمك العوادي .. ولا غيرتك الصروفُ.

باسمًا .. هادئًا كما عهدتهُ .. قسماتُهُ بريئة .. طاهرة .. كأنّه قطعة من غيمةٍ سديمية تمخرُ عبابَ قيظ الصمّان في لحظة لهفةٍ بعد إجدابٍ.

ألستَ مثلي من جيل النكبة الرعديد؟ .. فما حملك على ما صنعتَ؟، ما الذي حرّك ساكنًا .. وأثار بركانك؟، وأي عزم وقّاد سرت روحهُ في جسدك الغضِّ؟، أرجوك .. أتوسّلُ إليك .. لا تقل لي ما جيلُ النكبة! .. لا تستغربْ أيّها العزيز .. نعم مسّنا وأهلنا الذّلُّ وجئنا ببضاعة مزجاةٍ .. فأوف لنا كيل المكرمات .. وتصدّق علينا .. جئنا بخزي وعار .. لا تستفهمْ .. لا تستفسرْ .. انظرْ حولكَ، إنه جيلُكَ، ورعيلُك، ذلك الجيل الذي يودي به تقريرٌ.

الجيلُ الذي جدرانهُ آذانٌ .. وهواتفه مراقبةٌ.

الجيل الذي يلهثُ ويسفُّ ترابَ الأرضِ ليعيشَ منكوبًا .. مسحوقًا .. محروقًا .. مطحونًا .. مخذولًا .. لا يهم .. المهم أن يعيشَ .. ليجدَ قبولًا في كليّةٍ .. أو ركنًا في سوق خضار .. أو موطئَ قدمٍ في منشأةٍ يغدو فيها حارس أمن .. أو مضطَجعًا في مستشفى .. أو قبرًا في الصحراء .. أو كفنًا في دربِ عراء.

في بلد الدولارِ والنفطِ والأنهار .. والحفاةِ العراةِ الذين يسكنونَ الناطحاتِ .. ويعاقرونَ الساقياتِ! ويستكنّونَ في كنيفِ المنطقةِ الخضراءِ! .. والعراقُ تموتُ كل يومٍ ألف مرّةٍ .. وبغدادُ الرشيد ما عادت رشيدة.

لن ينسي الناسَ الجرحَ الغائرَ .. وساطور الجزّار .. والتنكيل .. والأصفاد والأغلال .. وضوء الزنزانة الصفراء .. ودموع صابرين الجنابي وهتك سترها .. وبُقع الدماء الطاهرة .. وأكوام السجناء العراة في دهاليز"أبو غريب".. لكل أجلٍ كتابٌ.

هاهم سجّانوك .. وساحقو إخوانكَ من قبلُ .. دولارٌ يرفعهم .. وآخرُ يخفضهم .. هم ذاتهم سجّانو"الكرنك"، و"التحويلة"و"إحنا بتوع الأتوبيس"و"البريء"، هم جلادو"ليمان"و"طره"و"الباستيل"و"الكاتراز"و"جانغي"و"غوانتنامو"و"شاوشنك".

أذْكُرُك أيّها العزيز مشتاقًا إلى سطر صغيرٍ في حانة"شحاذّون ونبلاء".. تحب البسطاء .. تأنس بهم .. في العامرية .. والدورة .. والعطيفية .. والأعظمية .. والزعفرانيّة .. في أزقة بغداد .. في ملاهي أطفالها .. ومقاهي كهولها .. في ذات المكان الذي سطّر فيه الدكاترة زكي مبارك خالدتهُ"ليلى المريضة في العراق".

ماتت ليلى والعراقُ يحتضرُ يا زكي .. تحترقُ بغدادُ .. والبصرةُ أشتاتٌ.

حيث كان المازني .. والزيّات .. وحيث مرَّ الطنطاوي .. تشعرُ أنك قطعةٌ منهم .. تتلاشى روحك العذبة معهم.

مع ألبير قصيري .. العجوز البوهيمي .. المتسكّع في أزقة باريس الفوّاحةِ برائحةِ الموكا ذات الرغوة الكثيفةِ ونكهة البندقِ الغنيّة الممتزجة بروائح قيرلان ولانكوم وكارتييه .. الذي رحل فجأة وترك فراغًا كبيرًا .. كالفراغ الذي تركتهُ حين أخذوكَ حافيَ القدمينَ .. وحذاؤكَ يخطُّ طريق العلياءَ، ليسجّل اسمك في صحائف الخلدِ وتاريخٍ لا يبلى.

هل سحرتك المدنيّة والأضواء يا ابن الأزقةِ والدهاليز .. فتركت درب الصعلكة .. ودخلت التاريخ من أقذر أبوابه: بوش اللعينِ!.

هل صحيحٌ ما يُقالُ: اتق شر الحليم إذا غضبَ! .. هل فعلًا كنتَ غاضبًا .. أجبني: لماذا لم تغضب بقية الشرذمة وهم يرون الجزّارَ يرقصُ فوق الجثث المكدّسة .. جثث الآباء والأمهاتِ .. وروائح الموت تملأ المكان .. هل جعلوكَ الطعمَ لاصطياد السنّور .. لكن ما للسنّور ولّى هاربًا .. والطعم في شباك الصيدِ .. لقد كنتَ صيدًا ثمينًا بحق .. فلم يجد أولئك العتاة بدًا من التساقط فوقكَ .. والتشبّثِ بمعطفكَ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت