ـ [عبد الرحمن السديس] ــــــــ [26 - Feb-2007, مساء 09:29] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله فالقِ الإصباحِ، وجاعلِ الليلِ سكنا، والشمسِ والقمرِ حسبانا، والصلاة والسلام على المبعوثِ للخلقِ بشيرًا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، أما بعد:
فهناك بعض الشباب المبتدئين في الطلب من يطالع كتب العلامة ابن حزم، وقد يخفى عليهم ما فيها من مخالفات لمنهج السلف في عدد من الجوانب أهمها العقيدة، فأحببت من باب النصيحة للمسلمين تبيين بعض الأمور التي يُحذر منها في أقواله وكتبه، وذلك بذكر النقول عن بعض المحققين من العلماء
وقبل الشروع في النقل أحب أن أبين أمرا مهما وهو:
أن الكلام المنقول هنا في الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ ليس انتقاصا منه، ولا تقليلا لشأنه، ولكن ليحذر الجاهل من تقليده فيما غلط فيه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 4/ 543:
ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم، والدين من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة أهل البيت، وغيرهم قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه، فتريد تصويب ذلك الفعل، وابتاعه عليه.
وطائفة تذمه، فتجعل ذلك قادحا في ولايته، وتقواه، بل في بره، وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد.
والخوارج، والروافض، وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم، وأحبه، ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنان، وسيئات؛ فيحمد، ويذم، ويثاب، ويعاقب، ويحب من وجه، ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج، والمعتزلة ومن وافقهم.
وقال ابن القيم في أعلام الموقعين 3/ 220:
فصل: ولابد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله، ولرسوله، وكتابه، ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى، والبينات التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل، والثاني معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة، وتنقصهم والوقيعة فيهم فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما فلا نؤثم، ولا نعصم، ـ إلى أن قال ـ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين جاهل بمقدار الأئمة، وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع، والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح، وآثار حسنة، وهو من الإسلام، وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة، والزلة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته، وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين.
ونحوه في كلام شيخ الإسلام في بيان الدليل على بطلان التحليل ص152.
وقال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة [المجموع] 1/ 244:
فأما مخالفة بعض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ من غير عمد، مع الاجتهاد على متابعته، فهذا يقع فيه كثير من أعيان الأمة من علمائها، وصلحائها، ولا إثم فيه، بل صاحبه إذا اجتهد فله أجر على اجتهاده، وخطأه موضوع عنه، ومع هذا فلم يمنع ذلك من عَلِمَ أمر الرسول الذي خالفه هذا أن يبين للأمة أن هذا مخالف لأمر الرسول، نصيحة لله، ولرسوله ولعامة المسلمين، وهب أن هذا المخالف عظيم له قدر وجلالة، وهو محبوب للمؤمنين إلا أن حق الرسول مقدم على حقه وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
(يُتْبَعُ)