فهرس الكتاب

الصفحة 19908 من 28557

ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [02 - Sep-2009, مساء 01:23] ـ

الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل ( http://www.shareah.com/index.php?/authors/view/id/415/s/1/)

الصادق مع الله عز وجل في عبادته واستعانته به سبحانه لا تراه إلا رابط الجأش شجاع القلب ثابتًا على مبدئه مستهينًا بالباطل وأهله، وكيف لا وهو يأوي إلى ربه القوي العزيز رب كل شيء ومليكه، يعبده ويستعينه، ويفوض أمره كله إليه.

ولقد قص الله تعالى علينا في كتابه الكريم خبر أنبيائه وصفوته من خلقه، وكيف كان ثباتهم وشجاعتهم وتحديهم لأقوامهم الذين يملكون العدد والعتاد، ومن ذلك ما ذكره سبحانه عن نبيه ورسوله نوح عليه السلام في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] .

وكذلك قال عن هود عليه السلام لما قال له قومه: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 54 - 56] .

وقال عن خاتم أنبيائه محمد عليه الصلاة والسلام: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 195 - 196] .

وأخبرنا سبحانه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عندما تحزبت عليهم الأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم يوم الخندق، فقال: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] .

وقال عنهم يوم أحد عندما خوفهم من خوفهم برجوع المشركين مرة أخرى لقتالهم، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والجراحات فقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174] .

والأمثلة في ذلك كثيرة وكثيرة، ولنرجع إلى ما علق به بعض المفسرين على قصة هود عليه السلام مع قومه، يقول القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه القصة:(قوله: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} أي: أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري {ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} أي: لا تؤخرون، وهذا القول مع كثرة الأعداء يدلّ على كمال الثقة بنصر الله تعالى، وهو من أعلام النبوة أن يكون الرسول وحده يقول لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} ، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش, وقال عليه السلام: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} الآية.

قوله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي: رضيت بحكمه، ووثقت بنصره، {مَا مِنْ دَابَّةٍ} أي: نفس تدب على الأرض، وهو في موضع رفع بالابتداء {إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي: يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء، أي: فلا تصلون إلى ضري) [تفسير القرطبي، (9/ 52) ] .

ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على هذه القصة بقوله: (وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قومًا غلاظًا شدادًا حمقى، يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلًا فيهذي؛ ويروا في الدعوة إلى الله الواحد هذيانًا من أثر المس؛ يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفه عقيدتهم ويقرعهم عليها ويؤنبهم، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت