فهرس الكتاب

الصفحة 25387 من 28557

ـ [خالد المرسى] ــــــــ [27 - May-2010, صباحًا 08:03] ـ

أرجو من الاخوة نقل المقال من الرابط الى هنا لنقرأه جميعا لأنه لايظهر في متصفحي

ـ [محمد المبارك] ــــــــ [27 - May-2010, صباحًا 08:24] ـ

كتبه: محمود محمد شاكر

4 -جمادى ثاني 6- 1431هجري/ 18 - 5 - 2010م

الإصلاح الاجتماعي

مِن عادتي - إذا ما استبهمَ عليَّ نَفاذُ الرأي - أن أعدِل بأفكاري إلى اللَّيل، فهو أحصنُ لها وأجمعُ، فإذا كان الليلُ، وهدأتِ النائرةُ، وأَوَى الناسُ إلى مضاجِعهم، واستكنَّت عقاربُ الحياةِ في أحجارِها - تفلَّتُّ من مكاني إلى غُرفتي، أُسدِلُ ستائرها وأغلِّقُ أبوابَها ونوافذها، وأصنعُ لنفسي ليلًا مع اللَّيل، وسكونًا مع السكون، ثم أقعد متحفِّزًا متجمعًا خاشعًا أملأ عيني من ظلام أسود، ثم أدعُ أفكاري وعواطفي وأحلامي تتعارَف بينها ساعة من زمان، حتى إذا ماجتِ النفس موجَها بين المدِّ والجزر، ثم قرَّت وسكنتْ، وعاد تيَّارها المتدفِّق رهوًا ساجيًا كسعادة الطُّفولة، دلفت إلى مكتبي، أستعين الله على البلاء.

وأمسِ، حين أيقظني مِن غفوتي داعي (الرِّسالة) جمعتُ إليَّ ما عزمتُ على قراءته من الصُّحف والمجلاَّت والكتب - التي هي مادَّة هذا الباب - وطفقتُ أقرأ وأقرأ، ولا أكتم أنِّي كنتُ أقرأ في هذا اليوم - على خلاف عادتي في أكثرِ هذه الأيَّام - قراءةَ المتتبِّع اليَقِظ الناقد المتلقِّف؛ لأضعَ يدي على أغزر الأصول مادَّةً، وأعظمها خطرًا، وأشدِّها بِنية، وأدسمِها شحمًا، فإنَّ حقَّ القُرَّاء علينا أن نتخذ لهم صنيعًا ومائدةً تكون أشهى وأمرأ، وأقرب متناولًا، وأردَّ على شهواتهم فائدة.

فلمَّا فرغتُ من إعداد ما أعددتُ لهم، وأويت إلى ليلى المختلق المزيف، جعلتُ أستعيد في نفسي ما قرأتُ وأين وقفت منه، وما تنبهت له ممَّا تعودت أن أستشفَّه من وراء الألفاظ المعبِّرة، ومِن تحت السِّياق المهدِف إلى غرضه، ممَّا هو بأخلاق الكُتَّاب وعاداتهم، ونوازعهم وخفايا نفوسهم ألصقُ منه بأغراض الكاتب فيما كتبت.

فما كدتُ أقدح الظلام بعيني وأفكِّر في هذا الأمر وأستدرجه إلى نفسي، حتى رأيتُني أكاد أنفِرُ من مكاني لِمَا عراني من سوء الرأي وقسوة الظَّن، فإنَّ طول تغلغلي في معاني الكتَّاب والشُّعراء، أو في معاني أنفسِهم، يدلُّني على أنَّ أكثر مَن يكتب إنَّما يدفع بعضَ الكلام إلى قلمه ليُعبِّر عنه، غير محتفل بما يقول، فكذلك يخرج الكلام متخاذلًا مفكَّكًا، كأنَّه ناقهٌ من وباء مرض، ويخيل إليَّ أنَّ أكثر كتَّابنا إنَّما يتناولون المعاني والأغراض من عَيْبةٍ [1] ( http://www.alukah.net/Social/0/21862/#_ftn1#_ftn1) جامعة غير متخيَّرة، ولا منتقاة ولا مصنَّفة، وأنَّهم إنَّما يعرض لهم اشتهاءُ القول فيقولون للشهوة المستبدة، لا للرأي الحاكم، وأنَّهم إنَّما يكتبون ليبقوا كُتَّابًا في عقول الناس وعيونهم من طولِ ما تُعرض عليهم المقالاتُ متوجةً بالأسماء، مذيلة بها، وأنَّ الكلام عندهم هو أهونُ عليهم من ضغطة النائم المتلفِّف زِرَّ الكهرباء، فإذا هو نورٌ مستفيض.

لا بدَّ للعرب والعربية أن يبرأ هؤلاءِ من أمراضهم ثم يقولون، وأن يعتدُّوا بجمهرة القرَّاء اعتدادَ مَن لا غِنى له عنهم، ولا فقرَ بهم إليه، فبذلك أيضًا يصلح ما فسد من القرَّاء الذين يقرؤون الأسماءَ دون معاني هذه الأسماء، ويومئذ لا يشكو الكُتَّاب من بوار أسواقهم؛ لأنَّهم يَعرِضون للناس الحَسَن الذي يُنشِئ في القلوب الإحساسَ بالحُسن، والرغبة في اختيار الأحسن، ويتشوَّق الناس الجميل؛ لأنَّه جميلٌ يسمو بالرُّوح في سُبُحات المثل الأعلى من الجمال الرُّوحانيِّ، ثم لا يُجيزون إلاَّ الجميل، وكذلك يترافدُ الكاتب والقارئ، ويمدُّ أحدُهما الآخرَ بأسباب حياته وخلوده بين خوافقِ الأدب السامي الرفيع، هذا هو بعضُ الرأي أدعو إليه كتَّابَنا، والأدب على شفا جُرف هار إلى البوار والبِلى والفساد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت