فهرس الكتاب

الصفحة 25388 من 28557

والآن، وقد تحدَّثتِ النفس ببعض كلامها، أعودُ إلى"أدب الأسبوع"، ويُخيَّل إليَّ أنَّ"وزارة الشؤون الاجتماعيَّة"هذه التي استُحدثتْ بعدَ أن لم تكن، قد كان مِن فضْل اسمها أن أيقظ أكثرَ كتَّابنا إلى حقيقةٍ ملموسة كانوا يَغُضُّون دونَها أبصارَهم؛ لِمَا تلبس صاحبُها من لباس الخِزي والعار، وهي بقاؤنا بين الأمم أمَّةً لا قوامَ لها مِن نفسها وأصلها وتاريخها، وأنَّ مركزَ مصر الاجتماعيَّ والسياسيَّ، والشرقي أيضًا قد سَمَا في ظنِّ الناس، ولكنَّه في حقيقتِه أقلُّ مما يُحمل عليه من الزِّينة والتألُّق والزُّخرف المستجلَب بالإيحاء، وإرادة الاستغلال.

فقد كتب الدكتور هيكل في (السياسة الأسبوعية) عدد (152) كلمة في (نهضة الإصلاح في مصر) استقصى بها تاريخَها وقواعدَها وأغراضها من عهد الثورة الفرنسية إلى هذا الوقت، وكذلك كَتَب الدكتور (طه حسين) في (الثقافة) عدد (52) يقترح إنشاء (مدرسة المروءة) ، وجاء (الزيات) في ختام فاتحة (الرسالة) لعامِها الثامن يشكو إلى الله:"إنَّ كبراءنا عطَّلوا في أنفسِهم حاسَّةَ الفنِّ، فَلَمْ يعودوا يدركون معنى الجميل، وإنَّ أدباءنا قتلوا في قلوبهم عاطفةَ الأدب، فليسوا اليومَ مِن كرمِها في كثيرٍ ولا قليل، وإنَّ زعماءَنا تفرَّقتْ بهم السُّبل بتفرُّق الغايات، فلِكُلِّ غاية دعوةٌ، ولكلِّ دعوة سبيل".

وكل هذه تلْتقي على أصل واحد، وهو أنَّ الحياة الاجتماعيَّة لا تزال تحبو في مدارجها، وأنَّ (لين العظام) يُخشى أن يطول علينا بقاؤه في صَدرِ الحياة، حتى نقعدَ دون شبابها، وأنَّ الإصلاح لا بدَّ أن يُتعجَّل حدوثُه؛ ولكن كيف يكون ذلك؟

وقد ساق الدكتور طه حديثَه عن المروءة ساخرًا من هذا الجيل الذي طُبِع على سفاسِف الأخلاق، وتحطَّمت عندَه مكارمُ الإنسانيَّة النبيلة، وامتاز عظماؤه وصغارُه باعتبار الأخلاق ضربًا من التجارة يلبِّسها الغشُّ والخِلابُ والمواربة، وتَلقِّي التاجر للبائع بالدهان، حتى يكونَ هو في باطنه أظلمَ شيء، وظاهره يتلألأ بمعاني الشَّرَف والأمانة، والنزاهة وإرادة الموافقة، وتغليبِ منفعة المشتري على منفعتِه، وغير ذلك مِن حِيَل التُّجَّار والسماسرة، فأراد أن يمزحَ، فيدعو إلى اقتراحِه إنشاءَ مدرسة للمروءة ليسخرَ مِن (تنازع الاختصاص) في وزارتنا، بل في أعمالِنا كلِّها.

وهذا كلُّه في مدرجه جيِّد لا يحاول أحدٌ أن ينازع عليه، أو يختلف فيه، ولكن التهكُّم في هذا الدَّهرِ المائج بصنوف العذاب والبلاء لا يكاد يُجدي شيئًا في الإصلاح، وهل يظنُّ الدكتور طه أنَّ كلَّ هؤلاء الذين أقامتْهم الأمَّةُ المسكينة على حياطة شؤونها، ومرافقِها وأسباب عيشها - لا يَستشعرون مِن ذلك ما نستشعر، ولا يجدون مِن معانيه مثلَ الذي نجد؟! أجل، ولكنَّهم كالذي يَصِفُ هو فيما سبقَ من الحديث، فمِن أين يأتي الشِّفاء إذا كان كلُّ الطبيب هو بعضَ المريض؟!

إنَّ أعمالَ الإصلاح الكبرى لن تأتيَ مِن وزارة الشؤون الاجتماعيَّة، ولا وزارة المعارف، ولا غيرهما إذا بَقِي الشعبُ ينظر إلى هذه كلِّها ليرى ما تعمل، والرأيُ لا يمكن أن يتجه في هذا الأمر إلى تسديدِ وزارة المعارف ووزارة الشؤون الاجتماعية، وتوقيفها على ما يجب عملُه باقتراحات ومذكرات وبيانات ... إلى آخِر هذه الجُموع.

إنَّ عمل الإصلاح الآنَ موقوفٌ على شيء واحد، على ظُهور الرَّجل الذي ينبعث من زِحام الشَّعب المسكين الفقير المظلوم، يحمل في رجولِته السراجَ الوهَّاجَ المشتعلَ من كلِّ نواحيه، الرجل المصبوب في أجلادِه من الثورة والعُنف والإحساس بآلام الأمَّة كلِّها، وآلام الأجيال الصارخة من وراءِ البنيان الحي المتحرِّك على هذه الأرض الذي يُسمَّى في اللُّغة (الإنسان) ، وليس ظهورُ هذا الرجل بالأمرِ الهَيِّن، ولا إعداده بالذي يُترك حتى يكون، بل هنا موضعٌ للعمل وللإنشاء، وكِبرُ ذلك مُلقًى على الأُدباء والكتَّاب والشُّعراء، وعلى كلِّ إنسان يحترم إنسانيتَه؛ فالأدباءُ ومَن إليهم قد وقع عليهم التكليفُ أن يرموا بما يكتبون إلى إيقاظ كلِّ نائمة من عواطفِ الإنسان، وإلى إثارةِ كلِّ كامنة مِن نار الهداية المحارِبة التي لا تخمد، ولا يكونُ ذلك شيئًا إلاَّ بأن يُعِدَّ كلُّ أحد نفسَه كالجندي، عليه أبدًا أن تكون حماستُه هي رُوحَ الحرب فيه، فهو يمشي بها في كلِّ عمل، ولو في نقْلِ البريد من مكان إلى مكان.

إذًا؛ فأوَّل الإصلاح الاجتماعي هو إدماجُ عواطفِ الفرْد في مصالِح الجماعة على أَتمِّ صورة من صور الحماسة؛ أي: القوة التي تَنبعِث من الدَّمِ لتطهير الدم، وهذا بعضُ ما نتوافَى عليه مع الدكتور هيكل إذ يقول في مقاله الذي أشرْنا إليه آنفًا:"لم يفكِّر أحد في مشكلاتنا الاجتماعيَّة واضعًا نُصبَ عينيه غايةً قوميَّة يريد أن يحقِّقها؛ بل ترانا إذا فكَّرنا في الأمر كان الدَّافعُ لتفكيرنا فيه عواطف الشفقة أحيانًا، والبر بالإنسان أحيانًا أخرى، وهذه عواطفُ قد تُحمَد في الأفراد، لكنَّها لا قيمةَ لها في حياة الجماعة، ويومَ فَرَض الله الزكاة في الإسلام وقَرَن بها الصَّدقةَ لم يقم الشارع ذلك على أساس العاطفة الفرديَّة، بل أقامَه على أساس النِّظام الاجتماعي".

والكتابةُ هي زكاةُ العِلم، فيجب أن تقومَ على هذا الأصل الفرديِّ المتحمِّس المتدفِّق بتياره في أعصاب النِّظام الاجتماعي، فإذا اتَّخذها كتَّابُنا على هذا، وتكلَّموا بقلوبهم قبلَ ألسنتهم وأقلامِهم، كان ذلك قَمِينًا أن يبعثَ الرجل الذي سوف يُضيء للحياة الاجتماعيَّة سُدَف [2] ( http://www.alukah.net/Social/0/21862/#_ftn2#_ftn2) الجهل والضَّعة، والبغي والاستبداد.

ـــــــــــــ

المصدر: الألوكة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت