فهرس الكتاب

الصفحة 17867 من 28557

وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ .. د. ياسر برهامي ..

ـ [ابن الزبير] ــــــــ [20 - May-2009, صباحًا 09:55] ـ

وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قوله -تعالى-: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) (النحل:127) ، يدل على ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشفقة على الخلق والحرص على هدايتهم؛ حتى الأعداء الذين يمكرون بالإسلام، وقد تكرر هذا المعنى في آيات كثيرة؛ قال الله -تعالى-: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف:6) ، أي: مُهلك نفسك أو قاتل نفسك من الحزن عليهم.

وقال -تعالى-: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3) ، وقال -تعالى-: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر:8) ، وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله حريصًا على هداية الخلق واستجابتهم لدعوة الحق، وإن كان الواقع أن الدعوة إلى الله تصطدم كثيرًا بعقبات وعوائق لا يتحقق بسببها ما يرجوه الداعي من ظهورها وانتصارها واستجابة الخلق لها، وهذا يسبب له الحزن، وعلى قدر همته وحرصه على تحقق أهداف الدعوة يكون حزنه، حتى يصل إلى درجة عظيمة حتى كاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تذهب نفسه حسرات.

وهذا الحزن يكون عائقًا في طريق الداعي ومثبطًا لعزيمته، وفاتًّا في عضده، ومضعفًا من رجائه وعزيمته وصبره؛ ولذا نهى الله عنه رغم أنه يقع في القلب ابتداء بمقتضى البشرية، لكن لا يجوز أن يستمر حتى لا يعرقل مسيرة الدعوة، قال -تعالى-: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام:33) .

وقال -تعالى- في هذه الآية: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) ، وقال -تعالى-: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) (آل عمران:139) ، فالمؤمن إذا نظر في أن عدم إيمان الناس هو بقدر الله -تعالى- وحكمته، وأن من وراء ذلك من المصالح الباهرة ما لا تحيط به العقول، وأنه في قدرة الله أن يجعل الناس جميعًا يؤمنون (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) (هود:118) ، وقال -تعالى-: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) (يونس:99) ، وأن عليه أن يعبد الله على جميع الأحوال وكافة الظروف، وأنه إنما ابتُلي بالأحوال المختلفة لتظهر عبوديته لله بأنواعها المختلفة؛ فعند ذلك يزول حزنه، ويحل محله الرضا والتسليم، بل الاستمتاع بالحياة على ما فيها من المحن والآلام، ويحصل للمؤمن الاستبشار بفضل الله، فتبدد أنوار الرجاء ظلمات الحزن واليأس، فيستمر المؤمن في طريقه لا يبالي بالعقبات، ولا تضعف العوائق عزيمته، ويحصل له التوكل على الله في أهم المقاصد، وهي نصرة الدين وظهور الحق.

وقوله -تعالى-: (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)

تتنازع نفس الداعي إلى الله مشاعر مختلفة، فكما يحزن على من لم يقبل الهدى ودعوة الحق فهو كذلك يضيق صدره بمكر الأعداء بما يقولون ويفعلون في الصد عن سبيل الله وهو يراهم يمكرون بالليل والنهار، ويأمرون الناس بالكفر: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) (سبأ:33) ، وهو كذلك ينظر -وهو في مرحلة الاستضعاف خاصة- إلى أن الأسباب المادية قد جعلها الله في أيديهم، وعندهم من أنواع القوة، والجاه، والمال، والسلطان ما لا يوجد عند الداعي شيء منه؛ مما يؤدي إلى صرف الناس عن الحق رغم أنه واضح كالشمس، ولكن ينصرف الناس عنه؛ لأنه ضعيف وفقير وغير مُمَكَّن، ويستجيبون للباطل ذي الجاه والسلطان وزخرف الدنيا، فيحصل له الضيق من مكر هؤلاء، وقد وقع ذلك للأنبياء؛ قال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:97 - 99) ، وقال -تعالى-: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت