ـ [نبيل عليش الجزائري] ــــــــ [24 - Aug-2008, مساء 07:36] ـ
المصدر
شبهات الغلاة في التكفير (الحلقة الثانية)
بقلم: محمد حاج عيسى
الشبهة الرابعة: عدم التفريق بين المسلمين والمشركين الأصليين
ومن الشبه التي يتمسك بها المخالفون عدم التفريق بين
المسلمين الواقعين في الشرك والمشركين الأصليين، وقياسهم عليهم في عدم العذر بالجهل.
وخلاصة هذه الحجة عندهم أن الله تعالى وصف المشركين بالشرك قبل قيام الحجة الرسالية في نصوص كثيرة كقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) [التوبة:6] فوصفه بالشرك قبل أن يسمع كلام الله تعالى الذي تقوم به الحجة، وقال: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة:1] فوصفهم بالشرك قبل أن تأتيهم البينة.
ويعللون عدم قيام الحجة عليهم بهذه الظواهر إضافة إلى ما هو متقرر معروف من أن النبي صلى الله عليه و سلم أرسله الله تعالى بعد فتور الرسالات قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة:19] .
ثم انقسم هؤلاء الغلاة إلى فريقين منهم من قال بالتلازم بين الشرك والقتال إلا عذاب الآخرة فيحتاج إلى قيام الحجة، ومنهم من قال لا قتال في الدنيا ولا عذاب في الآخرة حتى تقام الحجة، إلا أنهم كفار لا يصلى عليهم ولا يصلى خلفهم ولا تناكح ولا توارث.
والجواب عن هذا من وجوه:
أولا: أن وصف الشرك الوارد في حق الكفار والمشركين الأصليين الذين لم يشهدوا لله تعالى بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه و سلم بالرسالة، لا يجوز إيقاعه على المسلمين عينا، والتسوية بين المشركين والمسلمين في الاسم (الكفر) فضلا عن الحكم (القتال والعذاب الأخروي) بين الفريقين ظلم وجور وخلاف الأدلة الشرعية، والصواب الذي تؤيدة النصوص الشرعية أن المشركين يستحقون هذا الاسم لعدم توحيدهم قبل قيام الحجة ولا يحكم عليهم بالنار إلا بعدم قيامها لصحة الحديث في امتحان أهل الفترة، وأن المسلمين الملتزمين بشريعة الإسلام إجمالا إذا وقعوا في الشرك جهلا، فهم معذورون وخطأهم مغفور لهم، ولا يصح أن يقال إنهم يمتحنون بدليل النصوص الكثيرة الواردة في العذر في حقهم، كحديث صاحب الوصية الجائرة الذي غفر الله له، ومن كان مغفورا له في الآخرة فهو مسلم في الدنيا، ولا يمكن وصفه بالشرك في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.
والحديث خرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِى ثُمَّ اسْحَقُونِى ثُمَّ اذْرُونِى فِى الرِّيحِ فِى الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّى لَيُعَذِّبُنِى عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا. قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَقَالَ لِلأَرْضِ أَدِّى مَا أَخَذْتِ. فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ فَقَالَ خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ - أَوْ قَالَ - مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ» واللفظ لمسلم.
واختلاف الحكم الأخروي من أبين الحجج على اختلاف الأحكام الدنيوية، إذ لا يدخل الجنة في الآخرة إلا مسلم في الدنيا، ولا يمتحن أحد يوم القيامة إلا لأنه لم يكن مسلما في الدنيا.
(يُتْبَعُ)