فهرس الكتاب

الصفحة 11311 من 28557

ـ [نبيل عليش الجزائري] ــــــــ [03 - Oct-2008, مساء 02:21] ـ

إشكالية التحولات داخل التيارات السلفية (1 - 2)

أحمد فهمي

هل أنت سَلَفيٌّ؟ قبل سنوات بعيدة كانت الإجابة عن هذا السؤال بنعم أو لا كافية؛ دون حاجة إلى تفصيلات إضافية، لكن في واقعنا المعاصر تصبح هذه الإجابة قاصرة في دلالتها إلى حدٍّ كبير؛ إذ يجب توضيح التوجُّه السلفي الذي تتَّبعه والشيخ الذي تتعلم منه وتستفتيه، وربما يكون أفضل لو حدَّدت بلدك أو محافظتك أو مدينتك، وفي بعض الأحيان مسجدك الذي تصلِّي فيه؛ كي تتضح الصورة تمامًا للسائل.

يصعب وضع خريطة دقيقة لتوزُّع الانتماءات والتوجهات داخل التيارات السلفية، فالسلفيون يتوزعون إلى تيارات وجماعات ومستقلين، مع الأخذ في الحسبان التفاوت المصطلحي في توصيف: الجماعة، والتيار، والمستقلين.

لكن بالإمكان تحديد محورين رئيسين داخل هذه البنية السلفية المعقَّدة؛ المحور الأول: هو النشأة، ونعني به: أن نشأة التجمعات السلفية فطرية الطابع، لم يسبقها - في الغالب - تخطيط أو تدبير، ولذلك نجد السلفيين منتشرين في كل مكان، وهذه النشأة غير الموحدة للتيارات السلفية أنتجت مسارات تتعدد أحيانًا بتعدُّد الرموز والمشايخ، وهذا يعني: أن الدعوة إلى دمج التيارات السلفية أو توحيدها ليست دعوة إلى العودة إلى الأصل، ولكنها دعوة خارجة عن السياق التاريخي لهذه التيارات، وهذا من ضمن ما يعرقل نجاح هذه الدعوة.

المحور الثاني: هو منهج التعامل مع الواقع؛ فمع تعدُّد التجمعات السلفية تعدَّدت الرُّؤى والأفكار والتصورات، حتى إن بعض التوجهات السلفية أصبحت تنفر من وصفها بـ «السلفية» رغم أنه لا يوجد لها انتماء أو توصيف آخر، وفي المقابل توسَّع آخرون في حرمان مخالفيهم من الانتماء إلى السلفية.

ويُضاف إلى التعدُّد المنهجي ما يمكن تسميته بـ «اختلاف المطالع» ، حيث يختلف أصحاب التوجُّه الواحد باختلاف الدولة التي ينتمون إليها.

لستُ بصدد تحليل أسباب الخلاف السلفي، ولكن ما يعنينا هنا أحد أبرز أسباب هذا الاختلاف - الأفقي والرأسي - داخل التيارات السلفية، وهو قابليتها العالية - جماعيًا وفرديًا - للتحول الفكري، وميل أتباعها الحيوي والنشط إلى تصنيف الأشياء والأشخاص والأحداث بصورة مستمرة من أجل تحديد المواقف الشرعية تجاهها، وهو ما يفتح الباب على مصراعَيْه لاختلاف الاجتهادات والمواقف التي تؤدي بدورها إلى مزيد من الاختلافات والتحولات.

وعلى الصعيد الفقهي لا يوجد ما يمنع أي رمز سلفي من التراجع عن رأي أو توجُّه أو موقف اتخذه سابقًا ويراه حاليًا خطأ أو غير مناسب، طالما استند في الحالتين إلى تسويغ شرعي أدَّاه إليه اجتهاده العلمي المنضبط بالضوابط الشرعية؛ بغضِّ النظر عن كونه أصاب في أحد الموقفين وأخطأ في الآخر، وبغضِّ النظر عن كونه انتقل من خطأ إلى صواب؛ أو العكس، أو من خطأ إلى خطأ آخر.

وهذا النمط من التحول يعطينا في الواقع بعض الأمثلة العصيَّة على الاستيعاب؛ فعلى سبيل المثال: قد ينشأ خلاف بين توجُّهين سلفيين بسبب الموقف من قضيةٍ ما اختلف فيها اجتهاد رموز التوجُّهين، ومع الوقت يترسخ الخلاف وتتعدد له مظاهر وأسباب أخرى، بحيث إن رجوع أحد التوجُّهين إلى اجتهاد التوجُّه الآخر من تلك القضية في زمن لاحق لا يكون له أدنى تأثير في إزالة الخلاف.

إن التحولات داخل التيارات السلفية قضية بالغة الأهمية؛ لكونها تؤثر على قدرة هذه التيارات على الاضطلاع بدور فعَّال في مجتمعاتها، والعبرة هنا ليست في مطلق التحول؛ فهذا أمر وارد بالنظر إلى الطبيعة البشرية، ولكن المشكلة هنا هو أن يرتبط التحول الفكري بالانتماء أو المفاصلة مع الموافقين أو المخالفين.

وما يعنينا في هذه الإشكالية هو مناقشة أربع نقاط: أولًا: أسبابها، ثانيًا: أنواعها، ثالثًا: أنماطها وأشكالها، رابعًا: كيف نعالجها أو نخفف وَطْأتها؟

أولًا: الأسباب:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت