ـ [ابن العثماني] ــــــــ [21 - Mar-2008, صباحًا 01:21] ـ
يُعد الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - من أبرز علماء هذا العصر الثقات؛ ممن وفقهم الله تعالى للجمع بين العلم الشرعي ونشره (لاسيما علم الحديث) ، مع المشاركة النافعة النابهة في قضايا المسلمين الحادثة. ومثل هذا الجمع لانكاد نجده إلا في قليل، وهو ما تحتاجه أمة الإسلام في كل زمان؛ لكي لاينحرف مسيرها بين عالم أو طالب علم منزوٍ عن هموم الأمة، أومتصدرٍ جهول بشرع الله.
ومما تميز به الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - كذلك: ذكاؤه المشهود في مواجهة أهل الفساد والانحراف، ومعرفته بطرقهم وأساليبهم الملتوية، ومن طالع مؤلفاته أو تعليقاته على الكتب (لاسيما تعليقاته على مسند الإمام أحمد) عرف هذا؛ فهو جدير بكلمة عمر - رضي الله عنه":"لستُ بالخب ولا الخب يخدعني". وقد اخترت من"جمهرة مقالاته"التي طُبعت في مجلدين هذا العام: موقفًا مفيدًا يشهد لهذا الأمر؛ واجه به دعاة إفساد المرأة المسلمة؛ ممن كانت تعج بهم بلاد مصر ذاك الحين.يقول الشيخ - رحمه الله:"
(لا يزال كثير من الناس يذكرون ذلك الجدال الغريب الذي ثار في الصحف بشأن الخلاف في جواز ولاية المرأة القضاء!
والذي أثار هذا الجدال هو وزارة العدل؛ إذ تقدم إليها بعض (البنات) اللائي أعطين شهادة الحقوق، ورأين أنهن بذلك صرن أهلًا لأن يكنَّ في مناصب النيابة، تمهيدًا لوصولهن إلى ولاية القضاء! فرأت الوزارة إن لا تستبد بالفصل في هذه الطلبات وحدها، دون أن تستفتي العلماء الرسميين.
وذهب العلماء الرسميون يتبارَوْن في الإفتاء!! ويحكون في ذلك أقوال الفقهاء؛ فمن ذاكرٍ مذاهب أبي حنيفة في إجازة ولايتها في الأموال فقط، ومن ذاكرٍ المذهب المنسوب لابن جرير الطبري في إجازة ولايتها القضاء بإطلاق، ومن ذاكرٍ المذهب الحق الذي لا يُجوز ولايتها القضاء قط، وأن قضاءها باطلٌ مطلقًا، في الأموال وغير الأموال.
ومن أعجب المضحكات في هذا الجدال الغريب: أن تقوم امرأة فتكتب ردًا على من استدل من العلماء بالحديث الصحيح الثابت:"لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة". فتكون طريفة كل الطرافة، وتدل على أنها تكتب بعقل المرأة حقًا، فتستدل على بطلان هذا الحديث؛ بأنه لا يُعقل أن يقوله رسوله الله الذي يقول:"خذوا نصف دينكم عن هذه الحُميراء"!! وهي لا تعرف هذا الحديث ولا ذاك الحديث، ولا تعرف أين يوجدان أو يوجد أحدهما، من كتب السنة أو كتب الشريعة أو غيرها؛ لأن كتابتها تدل على أنها مثقفة ثقافة إفرنجية خالصة! ليس لها من الثقافة العربية أو الإسلامية نصيب!
ووجه العجب المضحك في استدلالها هذا الطريف: أن الحديث الذي استدلت به حديث لا أصل له أبدًا، أي هو حديث مكذوب لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم! ولستُ أزعم أنها هي التي اخترعته، فإني لا أظنها تصل إلى هذه الدرجة. ولكنه حديث ذُكر في بعض المصنفات القديمة، ونصَّ حفّاظ الحديث ونقدتُه العارفون العالمون على أنه حديث منكر، لم يجد له العلماء الحفاظ إسنادًا قط، بل قال ابن القيم الإمام: (كل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء، فهو كذب مختلق) .
فاعجبوا -في بلد العجائب- أن تقوم امرأة لا تعرف عن الشريعة شيئًا، إلا أن يكون ما يعرفه العوام، على شك في هذا أيضًا، فتردّ على العلماء الرسميين، وتجزم بتكذيب حديث صحيح ثابت، استنادًا إلى حديث مختلق مكذوب)!!
إلى أن يقول:
(سألت وزارة العدل العلماء فأجابوا. ولستُ أدري لِمَ أجابوا؟ وكيف رضوا أن يجيبوا في مسألة فرعية، مبنية على أصلين خطيرين من أصول الإسلام، هدمهما أهل هذا العصر أو كادوا؟!
ولو كنتُ ممن يُسأل في مثل هذا، لأوضحت الأصول، ثم بنيتُ عليها الجواب عن الفرع أو الفروع.
فإن ولاية المرأة القضاء في بلدنا هذا، في عصرنا هذا -يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً:
أولًا: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟!
(يُتْبَعُ)