فهرس الكتاب

الصفحة 2628 من 28557

ـ [أبو الفيصل] ــــــــ [27 - Jul-2007, مساء 01:31] ـ

الخطاب الدعوي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى بنى هذه الحياة الدنيا على سنن ثابتة لا تتغير، وهذه السنن هي من أمر الله سبحانه وتعالى وقدره، ولا يمكن أن تتخلف كما لا يتخلف دوران الفلك وتعاقب الليل والنهار، ومن هذه السنن ارتباط الأسباب بمسبباتها، فالدعوة سبب للهداية، لكنها لا تؤدي إلى هذه النتيجة إلا إذا سارت على وفق سنتها، وعلى وفق ما أراد الله لها، والهداية التي تؤدي إليها الدعوة هي هداية الإرشاد أي إنارة الطريق للناس وأن يعرفوا ما خلقوا من أجله وما أمرهم به ربهم سبحانه وتعالى وما جاءهم به رسول الله r، لا يمكن أن تنير هذه الطريق للناس ما لم تكن هذه الدعوة مضبوطة بالضوابط الشرعية مرتبطة بالمنهج النبوي الذي سلكه رسول الله r وهو المنهج الناجح والمثال لسلوك طريق الحق، وقد بين ذلك رسول الله r حين قال: «تركتكم على المحجة البيضاء، أو على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» فما تركنا عليه رسول الله r هو الذي ارتضاه الله للثقلين الإنس والجن، وهو منهج الله المستقيم، وهو صراطه المؤدي إلى جنته، وهو حبله المتين من تمسك به عصم، وهذا الحبل المتين الذي تركنا عليه رسول الله r هو مثل المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وهذا مقتض لبيان كل ما يقع فيه من اللبس والخطإ وضمان لمعرفة الخطإ من الصواب إذا التبس فإن الأمر لو وكل إلى اجتهادات الرجال لتغير وتبدل كحال الديانات السابقة التي عهد بحفظها إلى أصحابها فترون ما حصل فيها من التحريف والتبديل، أما هذا الدين المنزل على محمد r، فإنه معصوم من التغيير والتبديل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد تعهد الله بحفظه وتولى ذلك بنفسه، لم يكله إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، فهو محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل، فلذلك لا يمكن أن يقع فيه اختلال و لا اختلاف إلا اتضح للناس خطأه، وبان لهم زيفه، وذلك من عصمة الله سبحانه وتعالى لصراطه المستقيم، ومن حكم ذلك أن النبي r لن يأتي بعده رسول إلى البشرية، لا يمكن أن يأتي بعده نبي فهو خاتم النبيين، فإذا كان الأمر موكولا إلى اجتهادات الرجال أبدا وإلى تقويمهم، فإن ذلك مقتض لزواله وحاجة الناس إلى من يجدده، لكن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه وقد علم أنه لن يرسل رسولا بعد محمد r، فلذلك لا بد لمن يسلك طريق محمد r أن يسلكها على بصيرة بها، وأن يتعرف على ضوابط سيره ومنعرجات طريقه وما يعرض له كذلك من المشكلات في هذا الطريق، لذلك كان لزاما علينا في الخطاب الدعوي المقدم للناس الذي ينوب فيه صاحبه عن رسول الله r ويؤدي فيه أمانة الله التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان والذي عهد إلينا رسول الله r بتبليغه للناس في آخر موقف شهده مع الناس، فقال: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع» وعهد إلينا بحفظه كذلك وذكر الفضل العظيم لمن حفظه، فقال فيما أخرج عنه أصحاب السنن من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وبين كذلك وظيفة الذين يحمونه ويبينونه للناس، فيما أخرجه أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله أن النبي r قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فهذه البصيرة بالأمر الذي يدعو الإنسان إليه ضابط من أهم ضوابط الخطاب الدعوي، فالذي يريد أن يدعو على غير علم، ولا يريد أن يتصل بسنة رسول الله r ولا منهجه، ولا يريد أن يسلك طريق الذين سبقوه ولا أن يستفيد مما كانوا عليه ومما أخذوا به، لا بد أن يتردى في الوحل،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت