فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو عبد الرحمن من دمشق] ــــــــ [10 - May-2009, مساء 01:56] ـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على عبد ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
هذا مقالٌ للعبد الفقير، نشره موقع الألوكة، ولكن بعد أن اقتُطِعَ منه بعضُه للأسف!
وهذا هو:
يكثر في هذه الأيام استخدام مصطلح «الوسطية» .
وأصلُ هذا المصطلح مأخوذٌ من قول الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:
«والوسط ـ ها هنا ـ: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا.
ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها.
ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خَصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] ». [1] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1)
ثم روى ابنُ كثير حديثَ الإمام أحمد الذي أخرجه في «مسنده» عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. قال: فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} .
قال: «الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم» [2] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn2) .
فالوسطية ـ بالاستنارة بما سبق ـ ليست مصطلحًا مطّاطًا يُطوِّعُهُ كلُّ أحدٍ لتبرير ما يراه، ويفعله؛ كما هو شائعٌ في هذه الأيام!
حيث إنّ كلّ داعيةٍ إلى أمرٍ يُزينُه بزينة الوسطية، ويحلّيه بحلية الحكمة والاعتدال!
إنّ مرتكز الوسطية الذي تقوم عليه هو ـ كما في الحديث الشريف السابق ـ العدالة.
و «العدالة في اللغة ـ: الاستقامة، وفي الشريعة: عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا» [3] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn3) .
فالاستقامةُ هي أسُّ الوسطية، وليس من الوسطية في شيءٍ الانحرافُ يَمنةً أو يَسرةً، بأيِّ مسوِّغٍ يأتي به المنحرف.
فالمَيلُ نحو التشدُّد والتنطُّع والتعسير على النفس أو الغير انحرافٌ عن منهج الإسلام الأصيل.
والميلُ نحو التفلُّت والتراخي في الأحكام الشرعية، والتملُّص من حدود الله، واختراع أحكام جديدةٍ تنقض الأحكام الثابتةَ انحرافٌ من نوعٍ آخر.
وكلا الانحرافين طرَفيّةٌ مذمومة، والوسطية قائمةٌ بالحقّ بينَهما.
يقول ابن القيم رحمه الله:
«وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو.
ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه؛ كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين.
فكما أن الجافيَ عن الأمر مُضيِّع له؛ فالغالي فيه مضيِّع له، هذا بتقصيره عن الحدّ، وهذا بتجاوزه الحد» [4] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn4) .
الذي أفهمه أنّ الوسطية: ليست جماعةً بعينِها، لا مذهبًا فكريًا ولا فقهيًا، ولا طريقةً صوفيةً ولا غير ذلك؛ بل كلّ ذلك إلا ما خرج عن دائرة أهل السنة والجماعة الكبرى.
والوسطية: هي السنة المطهّرة، والهدي النبويُّ الحكيم، فإذا كانت الأمة بجملتِها وسطًا، فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام أوسطُها على الإطلاق، وهو الميزان الذي توزن به الأمور، والمقياس الذي تُقاسُ به الأشياء.
وما وافقَ هديَه الرفيق وشريعته السمحة؛ فهو العروة الوثقى، وما باينه فهو باب الضلال والبَوار.
(يُتْبَعُ)