ـ [آدم الجماعي] ــــــــ [27 - Mar-2009, مساء 03:10] ـ
كتبه / آدم الجماعي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
العلماء والدعاة وطلاب العلم ... من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم يرتشفون من معينه الصافي، ويتحملون أعباء الرسالة بعده، ويتبوءون المكانة والشرف بين الناس بفضل هذه الرسالة التي ورثوها .. بل هم بتعبير آخر حَمَلة الوحي ورُسُل رسول الله بعد موته صلى الله عليه وسلم ... ولست هنا في صدد تعديد مناقبهم وفضائلهم ... ولكني نحيت منحىً آخر .. ممتطيًا جواد النُّصح .. مستلًا سيف العتاب.
هذا الموضوع بعنوانه (ذنوب الدعاة) قد يكون غريبًا علينا لما فيه من الجُرأة، ولأن أنفسنا لم تتعوَّد إلا على سرد الفضائل والشرف ... ولأن فيه كشف لزيف أقنعة النفس البشرية، ونبذ أمراضها وخباياها .. طالما توارت خَلْف مظاهر الطيبة والصلاح، ووظيفتنا الشريفة.
أحب أن لا يغفل الدعاة إلى الله تعالى ـ وأنا منهم ـ أن لهم ذنوبًا ليست كذنوب الناس .. ومعاصي دونها معاصي العصاة .. وأن لا ينسوها في غمرة الثقة المطلقة من العامة، وأوهام التقدير والاحترام في المجالس ... أو يغفلون عنها تحت وطأة الدعوة .. أو تلهيهم عنها ألوان وأطياف المديح والثناء.
فالدعاة إلى الله تعالى يفهمون تمامًا أن هناك ذنوبًا تختص بعامل دون آخر، أو وظيفة دون أخرى .. فالبائع تحيط به ذنوب ببيعه أو شرائه دون غيره، والحاج في البيت الحرام تحيط به محظورات دون غيره ... وهكذا الصائم والراعي والوالي ..
ولكن ربما أغفلنا وتجاهلنا بابًا من أهم أبواب العلم لم ندرس تفاصيله بصورة مستقلة، وربما لم نستوعبه .. هو الفقه في هذا الباب.
فالداعية إلى الله تعالى له ذنوب تختص به دون غيره .. ما زال يصول ويجول في حَرَم الدعوة، ويعيش بين أفيائها ... فهو على باب هلاك لن يدخل منه غيره أبدًا .. أبدًا .. لا سيما أننا ـ طلبة العلم أو الدعاة ـ نحذِّر الناس منها، ونَعظُهم فيها بكل حُرقة وأَلمَ ... وهي تستشري في أرواحنا، أوتجري على خواطرنا، أو نتلبس بها .. نكاد أن نُهلَك بها.
ولا بد أن نفهم ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الدعاة منهم العالم بالذنب وهذا في خطر عظيم، ومنهم المتأوِّل في حالة لا يمكن أن تدخل تحت مسمى الاجتهاد لمعارضتها لدليل قائم، ومنهم من هو جاهل بالحكم فهذا أهونهم لكن يلزمه السؤال. والله المستعان.
الأمر الثاني: أن المذنبين من الدعاة على مرتبتين باعتبار وقوعهم في الذنب:
المرتبة الأولى: من يرتكب ذنبًا خُفيةً في خاصة نفسه، أو خلوته، أو حيثما لا يطِّلع عليه الناس.
المرتبة الثانية: من يرتكب ذنبًا ظاهرًا ـ صغيرًا أو كبيرًا ـ متأوِّلًا على خلاف الأَوْلى، أو مخالفًا للجمهور من العلماء والدعاة، أو قاصدًا له لدليل محتمَل رآه أو أفتى به آحاد العلماء أو الدعاة، أو قولًا مرجوحًا ... ليس له فيه عُذر معقول يستدعي فعله. فسيكون ذنبًا مركَّبًا لما يترتب عليه من أثر سيء عائدٌ على نفسه، وعلى القدوة الحسنة بنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، أو سبيل المؤمنين والصالحين. فكأنه استحبَّ مخالفة هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، أو هدي خير القرون، ولأنه يفوته أجر العمل به ... بل سيكون داعية إلى باب خطير من التهاون والتفريط فيتحمل ذنبه وذنب غيره ... مثلما كان هو بنفسه ضحية لمن اقتدى به أو أفتاه. وهذا يعتبر سند مسلسل بالتهاون والتفريط.
الأمر الثالث: أن الشيطان يطمع في الطائعين من طاعاتهم ولن يسأم منهم أبدًا، لأنه لم يظفر من الطائع بمعصية، فيأتيه من قِبَل الطاعة ليفتح له من خلالها أحد البابين: إما باب الإفراط والتحريف للطاعة والخروج عن أصلها ببدعة أو غلو أو تشدد ... ، أو باب التفريط من تسويف وترخُّص ...
فإذا فهمنا وعقلنا هذه الأمور ... سنعقد عزمنا على الالتزام، ونحرص على الفقه في الدين، والرغبة في زيادة الأجر والثواب، وعدم الزهد فيه، ونُغلق باب الترخُّص المطلق على مصراعيه ..
فالجدال في تقديم فِعل الرواي عما رواه، أو الجواز من عدمه، أو دعوى أن في المسألة قولان، أو أن ذلك الفعل يجوز مع الكراهة ... كل هذا جدال يمليه الشيطان على لسان البعض ليفتح لهم باب التفريط والتهاون ـ نسأل الله لنا العافية ـ لأن البقاء على الأصل، والعمل بالأحوط هو من كمال الورع في الدين.