ـ [القرتشائي] ــــــــ [11 - Aug-2010, مساء 02:27] ـ
واجب العلماء والدعاة في نصرة الدعوة السلفية والذود عنها
اقتضت سنة الله في خلقه، وحكمته في عباده وجود الحق والباطل، وتدافعهما المستمر إلى قيام الساعة، ليتحقق الابتلاء والامتحان، وتظهر حقيقة كل إنسان، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة، وفي ذلك يقول ربنا - تبارك وتعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17] ، ويقول: {إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] ، وقد قال لبني إسرائيل لما شكَوْا ما أصابهم من ظلم فرعون وبطشه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] ، ومثل ذلك في الكتاب والسنة كثير.
وهذا التدافع والصراع بين الحق والباطل سِجَال؛ فتارة ينتصر الحق ويعلو، وتارة يظهر الباطل ويسود، ولكن الله - تعالى - قضى بأن العاقبة والخاتمة، والنتيجة والمآل للحق بلا شك ولا ريب، كما قال ـ - سبحانه وتعالى - ـ في الآية السابقة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} وكما قرر في أكثر من آية أنّ العاقبة للمتقين {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] و {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] و {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .
ولئن أجاب اللهُ رأسَ الكفر والشر إبليس ـ عليه لعنة الله ـ إلى طلبه أن يُنْظِرَه إلى يوم يُبعثون، وأَذِنَ للناس أن يكون لهم شيء من الأمر في الدنيا، فيختاروا اتّباعه وطاعته، أو اتّباع الرحمن وعبادته، وترك الباطل يصول ويجول في هذه الدار؛ فإن الأمر كله والحكم جميعه في الآخرة لله - تعالى - وحده، وليس لغيره منه أي نصيب؛ فهناك تظهر الحقائق، وتُبلى السرائر، ويحق الحق، ويبطل الباطل، ويُكرَم أهل الإيمان، ويحل بالكفرة والفجرة الهوان والخسران.
وفي زماننا الحاضر يشهد العالم علو الباطل وانتفاخه، وعِظَم قوته ـ فيما نحسب ـ وانتفاشه، وظلمه وعدوانه وخاصة على المسلمين؛ إذ يدبر لهم المكائد والمؤامرات، ويحاول بشتى الطرائق والأساليب من جديد لاحتلال بلادهم، ونهب ثرواتهم، وإهدار طاقاتهم، واستعباد جماهيرهم، وليس هذا فقط، بل إنه يحاول ـ عن طريق ما يدعونه بالعولمة ونشر الديموقراطية والإصلاح ـ سلخَهم عن دينهم، والقضاء على عقيدتهم، وتغيير مناهج تعليمهم وتفكيرهم، وإحلال قيمه وثقافته وشريعته وعاداته عليهم، وهذا كما أخبرنا ربنا - جل وعلا - تمامًا قبل نحو خمسة عشر قرنًا؛ حيث قال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] ، وكما قال: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] ، وهذا واحد من أمور كثيرة جدًا من إعجاز القرآن؛ إذ أخبرنا عما سيكون، وقد وقع كما أخبر.
وقد تم للأعداء ـ مع الأسف ـ كثير مما أرادوا حين تمكنوا من القضاء على دولة الخلافة في القرن الماضي، واحتلّوا أكثر بلاد الإسلام، ونشروا أفكارهم وعاداتهم وطريقة عيشهم، واستجاب كثير من أبناء المسلمين لهم، ونشأت أجيال من المسلمين تؤمن بالدعوات القومية والاشتراكية والماركسية والرأسمالية والعلمانية، بل والوجودية والإباحية والإلحاد.
(يُتْبَعُ)