ـ [عبدالرحيم التميمي] ــــــــ [24 - Aug-2008, مساء 03:16] ـ
يتفق أهل الفقه والفكر على"ركنية فقه الواقع"لدى أي باحث أو فقيه أو مفكر للوصول لحكم موضوعي للمسألة أو القضية المراد بحثها، واتخاذ موقف شرعي أو فكري إزاءها، وفي الشأن الفقهي تبرز القاعدة الفقهية الشهيرة (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) ، وقد أوضح علماء الأصول في كتبهم أهمية هذا الأمر للفقيه والمفتي.
ومصطلح"فقه الواقع"، وإن كانت مضامينه أصيلة في كتب الفقهاء وفي عرف العلماء والمفكرين، إلا أنه برز في محيط الصحوة الإسلامية مع محاضرة (فقه الواقع) للشيخ د. ناصر العمر، والتي طبعت بعد ذلك في كتاب، وقد أجلب المخالفون على الشيخ بخيلهم ورجلهم عقب هذه المحاضرة، متهمين الشيخ العمر، بوصف كبار العلماء آنذاك بالبعد عن تصور الواقع السياسي والثقافي الذي تعيشه الأمة.
وبعيدًا عن الغوص في أحداث تاريخية قد يكثر الجدل حولها دون طائل، فإن الملاحظ أن هذا الركن الركين في الحكم على أي قضية شرعية أو سياسية أو ثقافية، قد بدأ يعلوه الغبار بفعل الأحداث العاصفة فكريًا وثقافيًا وأمنيًا التي مرت بها البلاد خلال العقد الأخير، ويظهر لي أن الحاجة ماسة اليوم لنفض الغبار عن هذا المفهوم الأصيل، وهو"فقه الواقع"، فالمسيرة الدعوية والإصلاحية لا يمكن أن تحقق أهدافها الكبرى دون أن تأخذ باعتبارها ركنية فقه واقعها السياسي والاقتصادي والثقافي.
وعند التأمل ومحاولة تحليل أسباب هذا الخلل، ظهر لي أن ثمة عاملين مهمين أفرزا هذا الخلل في فقه واقع الأمة:
العامل الأول: التقصير في الأخذ بالأسباب المعينة على فقه واقع الأمة
ظل التيار السلفي المحلي يعاني ضمورًا في فقه واقع الأمة السياسي والثقافي، فاتخاذ موقف شرعي من قضية الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، استند إلى"ظواهر"الحدث، مما أفرز تبسيطًا للموقف الشرعي، فالمسألة غير عويصة بالنسبة لكثير من الفضلاء، فالقضية واضحة وضوح الشمس ... دولة ملحدة كافرة تغزو دولة مسلمة، وبالرجوع لمصنفات الفقه الإسلامي، فالحكم الشرعي بدهي ولا يحتاج للكثير من التأمل، فتم اتخاذ قرار دعم الأفغان بالأموال وحث الشباب على الذهاب للجهاد، وهكذا اصطفت البنادق السلفية بأنواعها في صف واحد مع المعسكر الغربي ضد المعسكر الشرقي في أوج الحرب الباردة، ولا مجال للزعم هنا بأن ما حدث كان عبارة عن"تقاطع مصالح"بين السلفيين ومعسكر الغرب، فوتيرة الأحداث بعد ذلك أظهرت أن التيار السلفي برموزه العلمية والجهادية كان يدور في دائرة"المفعول به".
وليس ثمة إشكال في أصل نصرة أي بلد مسلم يستباح من الغزاة، فهذا أيضًا لا غبار عليه، بل إن هذا هو المتعين، ولكن الرؤية التبسيطية للحدث والغفلة عن فقه واقع صراع الدول العظمى آنذاك، والجهل بالخلفيات والبواعث التي كانت تحرك قادة الأحزاب الأفغانية، والنظر في جدوى ذهاب الشباب لجبهات القتال، أفرز توصيفًا خاطئًا للواقع، وأخطاء فادحة في صياغة الموقف الشرعي للحدث، ولهذا وقع التيار السلفي التقليدي في التناقض لدى العامة، عندما اختلفت مواقف رموزه تجاه الاحتلال الغربي لأفغانستان.
وفي المواقف الشرعية عمومًا من النظم العربية المعاصرة، والهيئات الدولية، والأحزاب السياسية، ظل الضمور كامنًا في الرؤية السلفية التقليدية لواقع الأمة السياسي والثقافي، فمتى يدرك فضلاؤنا أن اتخاذ أي موقف شرعي من نظام سياسي أو تيار فكري أو منظومة ثقافية، لا يكفي فيه قراءة العناوين الكبرى، والشعارات المرفوعة، وترحيل الفتاوى والأقوال الفقهية من أزمنة سالفة تختلف عن واقعنا اختلافًا جوهريًا.
متى يدرك السلفيون أنهم مع حاجتهم ـ ولا شك ـ لكتب السياسة الشرعية، فهم بحاجة كذلك للإطلاع على كتب فكرية وسياسية واقتصادية كتبها متخصصون في هذه العلوم، وليس المقصود جعل هذه الكتب مصدرًا وحيدًا للمعرفة أو التأثر بخلفيات كتّابها الفكرية ولكن المقصود أن الإطلاع على مصادر متنوعة في المعرفة سوف يكون ولاشك مغذيّا رئيسًا لصياغة رؤية شرعية موضوعية للقضايا والأحداث مع التأكيد على ضرورة التسلح بالعلم الشرعي.
(يُتْبَعُ)