فهرس الكتاب

الصفحة 10519 من 28557

وفي المناخ الثقافي المحلي، أفرز هذا الضمور تبسيطا وتسطيحًا لمفاصل الخلاف مع التيار الليبرالي، فأصبحت"قيادة المرأة للسيارة"، والقول بجواز"كشف المرأة لوجهها"معلمًا من معالم العلمنة في العقل الجمعي السلفي، وأذكر أني استمعت لشرح أحد شيوخنا للعقيدة الطحاوية، فذكر فيها أن القول بجواز كشف المرأة لوجهها من علامات دعاة السفور، ولست أنكر هنا أن التيار الليبرالي حاول تنفيذ مخططاته التغريبية عبر بوابة (الخلاف الفقهي) ، كما أني قد أعتذر لهذا الشيخ الفاضل، بأنه أراد بكلامه ظرفًا زمنيًا محددًا، كانت الحناجر التي ترفع مثل هذه الأقوال، حناجر ليبرالية، كما أني أتفهم كذلك أن يكون ثمة مواقف ممانعة مشكورة ومطلوبة تجاه هذه القضايا، ولكن ثمة فرق جوهري بين أن أقف موقفًا شرعيًا مصلحيًا من قضايا فقهية معينة، كالقول بمنع قيادة المرأة للسيارة أو منع كشف الوجه، وبين أن أجعل هذه الأقوال الفقهية المعتبرة عند جمهور الفقهاء (مفصلًا عقديًا ومنهجيًا) بيننا وبين القائلين بها، وأربّي شباب الصحوة في درس علمي خاص على هذا التصور الخاطئ، ولعل هذا الإشكال لا ينحصر في عدم فقه الواقع بل يتجاوزه إلى مشكل علمي منهجي.

ذكر لي أحد الشيوخ، أنه صلى في بعض المساجد التي شهدت خطبًا رنانة، ودعوات من منبر الجمعة ضد أشخاص أكاديميين بأعيانهم، بوصفهم رموز التغريب والفساد عقب أحداث دمج رئاسة البنات مع وزارة التربية والتعليم، ومرة أخرى ليس الإشكال في مبدأ الاعتراض على قرار كهذا أو الاحتجاج عليه، ولكني أجزم أن الخصوم لو طالبونا ببرهان أو مستند أو إثبات لاتهام فلان من الناس بأنه علماني، لما وجدنا سوى تأييده لدمج الرئاسة مع الوزارة أو إدخال الموسيقى في محفل تربوي أو تأييده لقيادة المرأة للسيارة.

وقبل أن أغادر هذه النقطة أعيد التنبيه أنه لا يخفى على المطلع وجود تيار ليبرالي يسعى للتغريب، ولهذا التيار رموزه الذين أظهر الكثير منهم منطلقاتهم الفكرية عبر كتب ومقالات فهؤلاء لا شك في وجوب الوقوف في وجه مخططاتهم التي تستهدف دستور البلد المعلن، وهو الشريعة الإسلامية، ولكن الحديث هنا عن العجلة في رمي شرائح من المثقفين والأكاديميين والإداريين بالعلمنة والتغريب بسبب عدم استقامتهم ظاهريًا والميل لبعض القضايا والمسائل التي لا تُعد مفصلًا عقديًا وفكريًا، وهذا الموقف قد يولّد ردة فعل تجاه الإسلاميين، تقذف بهؤلاء إلى ضفة التيار الليبرالي.

ـ العامل الثاني: ضغوط الواقع تفرز خللًا في فهمه

يسر الله لي أن أحضر محاضرة، ألقاها أحد المشايخ في قاعة جامعية عن الحوار الوطني، وقد ذهب الشيخ في تحليله لأسباب النظرة السلفية السلبية تجاه مصطلح"الوطنية"إلى الصدام التاريخي السياسي والثقافي الملتهب الذي شاع في المنطقة العربية في الستينات بين القوميين والإسلاميين، ورأى الشيخ أنه ليس ثمة حرج في الدعوة إلى الوطنية مستدلًا بأحاديث الإحسان إلى الجار، وما نص عليه الفقهاء من أولوية فقراء البلد بأموال أغنيائه، كما في حديث معاذ عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن.

ومع قناعتي بأن محبة الأوطان التي ينشأ فيها الإنسان مركوز في فطرته، والسيرة تشهد بشواهد على ذلك، فقد أصابت الحمى المهاجرين بعد هجرتهم للمدينة، فكان بعضهم كأبي بكر وبلال رضي الله عنهما، ينشد الأشعار في جبال مكة وشعابها شوقًا إليها، كما أن مجرد الانتساب إلى بلد معين لا إشكال فيه، فقد كان هذا موجود عند السلف بلا نكير، بل سبق أن ذكرت في مقال سابق، أن ليس ثمة محذور شرعي من التعاون بين أهل السنة ومخالفيهم من أهل البلد، لتنمية بلدهم والسعي في تحقيق ما كفلته الشريعة للجميع من حفظ أمنهم ورقي اقتصادهم، سيما والجميع يعيش في ظل كيان دستوره المعلن هو الشريعة الإسلامية وهذه نعمة كبرى يختص بها الإسلاميون في بلاد الحرمين دون غيرهم ...

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت